إشكالية العلامة التجارية البريطانية: إيجاد سرديةٍ مناسبة للمستقبل

684 إشكالية العلامة التجارية البريطانية: إيجاد سرديةٍ مناسبة للمستقبل

يجب أن تُقدم العلامة الوطنية الجديدة للعالم بريطانيا الغد، لا بريطانيا الأمس.

بقلم ريتشارد مورغان إيفانز.

تعتمد الدول، شأنها شأن الشركات، في بقائها وانهيارها على علاماتها التجارية. فالبلدان التي تزدهر على المسرح العالمي هي تلك التي تطرح روايةً واضحة ومقنعة عن هويتها ووجهتها المستقبلية. خذ سنغافورة أو دبي مثالاً. فكوريا الجنوبية، خلال جيل واحد فقط، استطاعت أن تحوِّل سمعتها من "مركز لإنتاج الإلكترونيات الرخيصة" إلى "رائدة عالمية في الابتكار". أما بريطانيا، في المقابل، فقد تركت علامتها تنجرف بلا بوصلة.

وقد أشار سيرغي لافروف، وزير خارجية روسيا، مؤخراً، إلى أنه ينبغي الاكتفاء بتسمية "بريطانيا" بدلاً من "بريطانيا العظمى"، مبرراً ذلك بأنه لا يحق لأي دولة أن تمنح نفسها صفة "العظمة". ورغم أنه يمكن تجاهل هذا القول باعتباره مجرد مكايدة دبلوماسية، إلا أنه وجد صدىً لأنه مسّ حقيقة قائمة: شعوراً متنامٍ بأنّ بريطانيا لم تعد بالقوة التي كانت عليها، أو أنها تفتقر إلى هوية محددة ومسار واضح كدولة.

غير أنّها تظل سادس اقتصادٍ في العالم، وتضم أعرق جامعة على المستوى العالمي، فضلاً عن كونها قوة ثقافية يتجاوز تأثيرها حجمها الجغرافي بكثير. والمشكلة ليست في المضمون، بل في غياب السردية الطموحة القادرة على صياغة هذا المضمون في قالبٍ مؤثر.

بيد أنّ هناك اتجاهاً طارئاً يستحق التوقف عنده، ولعلّ المملكة المتحدة تتمكن من الاستفادة منه، ألا وهو ما يعرف بـ "تغريم لندن" – وهو مصطلح ظهر على منصات التواصل الاجتماعي، يحمل طابعاً ساخراً، يصف به سكان لندن سعيهم الواعي إلى استقصاء كل ما تقدمه مدينتهم من مزايا، والاستمتاع بها على أكمل وجه.

فبدلاً من التوقف عند مواطن الخلل، ينبغي لنا توظيف هذه النزعة لإعادة صياغة الصورة الذهنية، والتوجه نحو "تغريم بريطانيا" بوصفه إطاراً يُمكن من خلاله بناء هوية جديدة تعكس مجمل نقاط القوة المعاصرة للبلاد، مع الاحتفاظ بجذورها الضاربة في تراثٍ عريق، بحيث تظل الماضية حاضرة في صياغة المستقبل.

قيام بريطانيا بإعادة ابتكار صورتها ليس بالأمر الجديد

سبق لبريطانيا أن أعادت ابتكار نفسها من قبل. ففي العقود التي أعقبت الحرب، كان لشعار "صُنع في بريطانيا" دلالة واضحة ووزن حقيقي، إذ حظيت الصناعات البريطانية - من سيارات ومنسوجات وآلات - بثقل عالمي، وكانت العلامة التجارية تُوصف بأنها صناعية عملية، باعتبار بريطانيا "ورشة العالم". ثم جاءت حكومة مارغريت تاتشر، فشهدت ثمانينيات القرن الماضي عملية إعادة صياغة جذرية للعلامة: إلغاء القيود، والخصخصة، والارتقاء بمدينة لندن لتصبح مركزاً مالياً عالمياً. وهكذا انتقلت بريطانيا من أرضية المصنع إلى أرضية التداول، وأصبحت علامتها الجديدة تقوم على روح المبادرة والطموح وتقديم خدمات عالمية المستوى.

واستمرت تلك العلامة الثانية في خدمة بريطانيا لنحو ثلاثين عاماً، إذ تحولت مدينة لندن إلى واحدة من أكثر النظم المالية تطوراً وتعقيداً في العالم، واشتهرت كمركز لجمع رؤوس الأموال، مع تشابك محكم بين الخبرة القانونية والبنية التحتية للحوكمة والخدمات المهنية.

غير أنّ العلامات التجارية تبهت وتتلاشى. فقد انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة المتحدة إلى أدنى مستوياته منذ بدء تسجيل البيانات، وتذبذبت الحكومات المتعاقبة بين مواقف سياسية متضاربة، ممّا وجّه إلى العالم إشارات مختلطة بدلاً من استراتيجية واضحة ومستقرة.

تُشكّل الأصول ركيزةً لسرديةٍ جديدة مُلهمة

لا تحتاج بريطانيا إلى ابتكار نقاط قوة لا تمتلكها، بل تحتاج فقط إلى تحسين عرض نقاط قوتها الحالية. يكمن التحدي في تحويل الأصول المعروفة إلى سردٍ وطني أكثر وضوحاً وحداثة وثقة.

لنأخذ التعليم كمثال. فقد تصدّرت جامعة أكسفورد التصنيف العالمي للجامعات لعقد من الزمان. وتضم بريطانيا أربع جامعات بريطانية ضمن أفضل عشر جامعات في العالم. وتستهدف المملكة المتحدة الوصول إلى أربعين مليار جنيه إسترليني سنوياً من صادرات التعليم بحلول عام ٢٠٣٠. لكن هذه المؤسسات لا تقتصر على التدريس فحسب، بل تُساهم في بناء القيادة العالمية: فقد تلقى أكثر من خمسين من قادة العالم الحاليين تعليمهم في بريطانيا.

ثم هناك الصناعات الإبداعية، التي تُساهم بنحو مئة وأربع وعشرين مليار جنيه إسترليني في الاقتصاد، أي أكثر من مساهمة قطاعات الطيران والفضاء والسيارات وعلوم الحياة مجتمعة. وتُساهم الموسيقى والأفلام والتلفزيون والأزياء والتصميم البريطاني في تشكيل الذوق واللغة والهوية العالمية.

يُضاف إلى ذلك قوة مدينة لندن المستمرة في الخدمات المالية والأطر القانونية والخبرات المهنية. ثم احتسب قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي تتجاوز قيمته تريليون دولار، ليحتل بذلك المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة والصين فقط.

إذاً، تمتلك بريطانيا محفظة أصول هائلة. ما ينقصها هو سردية تربط بينها جميعاً.

مبادئ تُوحّد هوية بريطانيا

تحتاج بريطانيا إلى مبادئ جديدة تُوحّد هويتها الجديدة. وهذا يعني التطلع إلى المستقبل بدلاً من التشبث بالماضي، والتركيز على الجوهر بدلاً من الرمزية، والريادة بالإمكانيات الحقيقية بدلاً من التباهي. كما يعني تحقيق مزيدٍ من التناسق بين القطاعات، بحيث تُعزز قطاعات التعليم والتمويل والتكنولوجيا والثقافة رسالةً واحدة. ويعني أيضاً البدء بالجمهور العالمي، والتأكد من أنّ الرسالة لا تقتصر على الجمهور المحلي فحسب، بل تصل إلى الناس في جميع أنحاء العالم.

بريطانيا تبني: سردية جديدة للبلاد...

يجب أن تُعرّف العلامة التجارية الجديدة العالم بما تُصبح عليه بريطانيا، لا بما كانت عليه في الماضي. المفهوم بسيط: بريطانيا تبني. وبينما يبقى التصنيع ركيزة أساسية، ينبغي أن تكون الأفكار والمواهب والحلول هي العناصر الرئيسية لهذا التوجه الجديد. دولة تُشيّد البنى التحتية الفكرية والإبداعية التي يحتاجها العالم، واقتصاداً قائماً على خبراتها العالمية. أمة تحافظ على مكانتها العالمية ليس بسبب ماضيها، بل بسبب ما تُواصل إنتاجه وتصديره.

...هذا ما يجب تبنيه بقوة

لا جدوى من صياغة سردية جديدة ما لم يتم تبنيها بقوة. لطالما كانت أمريكا، على سبيل المثال، نموذجاً يحتذى به في التسويق. فهي المكان الذي يستطيع فيه الفائز بدوري يُلعب بالكامل تقريباً على أرضه أن يُطلق على نفسه لقب "بطل العالم" بكل ثقة. إنها الدولة التي حوّلت طوابير الانتظار طوال الليل لشراء أجهزة التلفزيون بأسعار مخفضة إلى حدث تجاري وطني، ثم صدّرته تحت مسمى "الجمعة السوداء"، والدولة التي جعلت من شرب القهوة من كوب ورقي أثناء المشي في الشارع أسلوب حياة وليس مجرد رفاهية.

في المقابل، قد تبدو الشركات البريطانية وكأنها تعتذر عن إنجازاتها؛ بينما تصل الشركات الأمريكية وكأن موكب الاحتفال قد بدأ بالفعل.

ما تحتاجه بريطانيا هو عمل منسق بين المؤسسات، وجهد استراتيجي مستدام يجمع بين الحكومة والصناعة والتعليم والهيئات الثقافية حول سردية مشتركة.وكما قال جاي كونراد ليفينسون، أحد آباء التسويق الحديث، وهو أمريكي بالطبع: "التسويق ليس حدثاً عابراً، بل عملية ممتدة. له بداية ووسط، لكن لا نهاية له. أنت تحسّنه، وتطوّره، وتغيّره... لكنك لا توقفه إطلاقاً".

المؤلّفريتشارد مورغان

ريتشارد مورغان إيفانز، الرئيس التنفيذي لشركة سابينس كوميونيكيشنز Sapience Communications.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-684-britains-brand-problem-finding-a-narrative-fit-for-the-future/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org