أتينبورو يبلغ المئة: أعظم أصول التواصل العلمي تكشف أعمق نقاط ضعفه
688 أتينبورو يبلغ المئة: أعظم أصول التواصل العلمي تكشف أعمق نقاط ضعفه
نحتاج إلى بناء جيشٍ من الأصوات الموثوقة، يضم المزيد من العلماء والباحثين الذين يبادرون إلى شرح أعمالهم والدفاع عنها.
بقلم دالجيت بورجي
نشأت في كينيا، وكان والدي مولعاً ببرامج التاريخ الطبيعي التلفزيونية. من أقدم ذكريات طفولتي مشاهدتي الأفلام الوثائقية عن الحياة البرية على قناة بي بي سي برفقته، حيث كان ديفيد أتينبورو دوماً الراوي الصوتي الذي يمنح تلك المشاهد حياةً وسحراً. ظل هذا العالم الطبيعي، طوال حياتي، صوتاً موثوقاً لا يُشَكُّ فيه، لذا حين بلغ المئة عام في وقتٍ سابق من هذا العام، شعرت بأنها محطة مؤثرة حقاً؛ سبعة عقود قضاها في ترجمة عجائب الطبيعة وتحذيراتها إلى جمهورٍ يمتد عبر الأجيال. وإن كان هناك شخصٌ واحد يمكن الوثوق به في ما يتعلق بالمعلومات العلمية والبيئية، فهو أتينبورو بلا شك.
لهذا، عندما كلفتنا مؤسسة "ديفيوجن" بإجراء بحثٍ حول ثقة الجمهور البريطاني في التواصل العلمي، ضمن تقريرنا "الاختراقات والعوائق ٢٠٢٦"، توقعنا أن يتصدر أتينبورو قائمة الأصوات الموثوقة. وقد حدث ذلك بالفعل، إذ اختاره ٥٩٪ من المشاركين مصدراً موثوقاً للمعلومات العلمية والبيئية الدقيقة، وهو وحده من تصدّر هذا التفوّق.
لكن ما لفت انتباهي حقاً هو ما تخفيه هذه الإحصائية. فهناك أربعة من كل عشرة أشخاص لا يعتبرون شخصاً قضى حياته البالغة في شرح آلية عمل العالم الطبيعي جديراً بالثقة. إن كان حتى أتينبورو لا يحظى بثقةٍ شبه عالمية، فأيّ أملٍ يبقى لغيره؟
والجواب، كما هو متوقع، يعتمد بشكلٍ كبير على هوية المتحدث. لحسن الحظ، وجدنا أنّ العلماء ما زالوا يحظون باحترامٍ شعبيٍ كبير، إذ يثق بهم ٤٤٪ كمصدرٍ موثوق للمعلومات حول التطورات العلمية الجديدة. في المقابل، لا تتجاوز ثقة الجمهور بالرؤساء التنفيذيين ٧٪، وبرئيس الوزراء ٨٪ فقط. أي أنّ الأشخاص المسؤولين عن تمويل وتسويق وتنظيم الابتكارات العلمية الجديدة هم، في نظر الجمهور، الأقل مصداقية حين يتعلق الأمر بشرحها.
وبصفتنا متخصصين في العلاقات العامة، ندرك أنّ الرؤساء التنفيذيين والمؤسسين سيظلون دوماً في المقدمة، لكن من الواضح أنهم لا يستطيعون تحمل عبء التواصل العلمي وحدهم. فمن المعروف أنّ العلماء والباحثين لطالما تعاملوا بحذر تجاه وسائل الإعلام، خشية تحريف أعمالهم أو تضخيمها، غير أنّ لهذا التردد ثمنه الآن. فحين يصمت العلماء، تملأ الفراغ غالباً أصواتٌ أقلّ مصداقية وأكثر تشويهاً، مما يضر بدعم الجمهور وتمويل البحث والتطوير المستمرين.
نحن بحاجةٍ إلى تحولٍ جذري في الدور الذي يلعبه العلماء والباحثون، بحيث لا يقتصر على إنجاز أعمالٍ رائعة في المختبر، بل يمتد إلى الترويج لفوائد هذه الأعمال أمام أصحاب المصلحة. ويقع على عاتق متخصصي التواصل دور كبير في تحقيق ذلك، من خلال تزويدهم بالصياغة اللغوية والثقة والمنصات اللازمة ليصبحوا أصواتاً داعمة ذات مصداقية. صحيحٌ أنّ التدريب الإعلامي خطوة أولى مفيدة، لكنّ الأمر يتعداه إلى إعطاء الأولوية لصيغٍ مثل الجلسات الإعلامية غير الرسمية، والمقالات المساهمة، والمقابلات التلفزيونية المسجلة مسبقاً، حيث يتمتع العلماء بقدرٍ أكبر من التحكم وبالتالي يشعرون براحةٍ أكبر. ولا يقتصر هذا على العلاقات الإعلامية التقليدية فحسب، فقد أظهر بحثنا إقبالاً جماهيرياً كبيراً على متابعة الأخبار العلمية عبر مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست، خاصةً بين من هم دون الخامسة والثلاثين. هذه الصيغ تتيح للعلماء التحدث بأصواتهم، وبناء الثقة والمصداقية دون وسيطٍ إعلامي.
الرسول مهم، لكنه ليس كل القصة، فالتواصل العلمي نفسه بحاجةٍ إلى التطور. وقد أسهمت أبحاثنا في وضع مجموعةٍ أوسع من "القواعد الجديدة" التي تحدد ملامح هذا التغيير. واستناداً إلى عملنا الحالي مع العملاء، تبرز ثلاثٌ منها كأولوياتٍ متزايدة الأهمية.
الصمت يفسح المجال للحقائق البديلة
أصبح التوقيت الآن عاملاً حاسماً في بناء الثقة بالعلوم الجديدة، إذ تحمل الأصوات المبكرة وزناً غير متناسب وتحدد مسار النقاش. وهذا يعني، بالنسبة للمبتكرين، ضرورة بدء الحوار مع وسائل الإعلام والجمهور وأصحاب المصلحة في وقتٍ أبكر مما كان مألوفاً. وأدرك أنّ هذا قد يكون أسهل في القول منه في التطبيق! لكن نقطة ضعف التواصل العلمي تكمن في السماح للمثالية بأن تعيق التقدم. فالانتظار حتى نشر جميع الأبحاث الداعمة، أو تأمين التمويل، أو إتمام المشروع التجريبي بنجاح قبل بدء التواصل الخارجي قد يبدو ممارسة مثلى، لكن في عصر نظريات المؤامرة، يزيد هذا من خطر ترك زمام السرد للمنتقدين. إلا أنّ قواعد اللعبة قد تغيرت، ولم يعد بمقدورنا التمهّل.
الرأي العام ليس كتلةً واحدة
عندما نمعن النظر في المواقف تجاه العلوم الناشئة، نجد أنّ البيانات العامة على مستوى السكان لا تروي سوى نصف الحقيقة. فخلف الأرقام الرئيسية، تبرز اختلافاتٌ كبيرة في الثقة والوعي والقبول باختلاف الجنس والعمر والطبقة الاجتماعية. وسواءً تعلق الأمر بدعم اللحوم المستزرعة أو الهندسة الجيولوجية، وجدنا باستمرار وجود شريحةٍ "وسطية قابلة للإقناع"، وهي مجموعةٌ كبيرة لم تتبلور آراؤها بعد بشأن العلوم الحديثة. وهنا تحديداً، يبرز دور اتباع نهجٍ قائم على رؤى ثاقبة لتقسيم الجماهير المترددة وتخصيص الرسائل وفقاً لطبيعتها، مما يحسن فرصنا في تشكيل الدعم الشعبي العام بشكلٍ إيجابي. لذلك، لم يعد نهج "بيان صحفي واحد يناسب الجميع" صالحاً لهذا الغرض. بل بات لزاماً علينا التعامل مع كلّ فئة على حدة.
المخاطرة تحتاج إلى سياقٍ أفضل وتفسيرٍ أوضح
أخيراً، حين يتعلق الأمر بالاكتشافات العلمية الجديدة، غالباً ما تُنقل المخاطر بصيغ مطلقة، بينما يتوق الجمهور اليوم إلى مزيدٍ من التدرج والدقة. فقد وجدنا أنّ المستهلكين يشعرون بأنهم لا يحصلون دوماً على الصورة الكاملة، ويطالبون بتغطيةٍ إعلامية أكثر توازناً بشأن المقايضات، وحالات الشك، والآثار طويلة المدى للعلوم الجديدة. قد يبدو الأمر غير بديهي، لكنّ الانفتاح بشكلٍ أكبر على المخاطرة قد يكون مفتاحاً لبناء ثقةٍ عامة أقوى في العلم. غير أنّ ذلك يتطلب منا الاستثمار في ابتكار الأدوات واللغة المناسبة لشرح المخاطرة بشكلٍ أفضل: مقارنات ملموسة، واعتراف صريح بحالة عدم اليقين، ولغة تساعد الناس على الموازنة بين الآثار المحتملة للفعل والآثار المحتملة للتقاعس.
معاً، تشكل النُهج المذكورة أعلاه بعض الخطوات التي يمكن أن تساعد في تعزيز الثقة ومكافحة نظريات المؤامرة بشكلٍ أفضل. الحقيقة القاسية هي أنّ المعلومات المضللة لن تختفي. وبصفتنا متخصصين في التواصل العلمي، لا يمكننا التغلب عليها بالصراخ، لكن يمكننا محاولة التفوق عليها بالثقة، من خلال تكييف استراتيجياتنا وتكتيكاتنا.
نعرف، للأسف، أنّ شخصياتٍ مثل ديفيد أتينبورو لن تبقى بيننا إلى الأبد، وأنّ تشتت الفضاء العام يعني أننا لم نعد نستطيع البحث عن "منقذ" واحد لمحاولة الوصول إلى غالبية الناس دفعةً واحدة. بدلاً من ذلك، نحتاج إلى بناء جيشٍ من الأصوات الموثوقة، كلٌ منها قادرٌ على كسب ثقة مختلف الفئات السكانية والثقافات الفرعية. وهذا يشمل المزيد من العلماء والباحثين الذين يبادرون إلى شرح أعمالهم والدفاع عنها، للجمهور ولصناع القرار على حدٍ سواء. كل من يؤمن بأنّ العلم والتكنولوجيا قادران على بناء مستقبلٍ أفضل، عليه أن يؤدي دوره في استعادة ثقة الجمهور بهما، لأنّ هذه الثقة ليست منحة، بل هي مسؤولية جماعية.
المؤلّفدالجيت بورجي
دالجيت بورجي هو الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة Diffusion.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار