أزمة الفهم: لماذا على المختصين في التواصل فك تعقيدات المعنى
686 أزمة الفهم: لماذا على المختصين في التواصل فك تعقيدات المعنى
ستظل الثقة حليفاً للمؤسسات التي تُبسِّط الأمور المعقدة، دون أن تُنقص من قيمة الحقيقة.
بقلم نيتين مانتري
كلمة واحدة كانت كفيلة بإشعال العاصفة
في مايو ٢٠٢٦، وجد بيل وينترز، الرئيس التنفيذي لبنك ستاندرد تشارترد، نفسه في قلب عاصفةٍ إعلامية، بعد حديثه عن خطط البنك لاستبدال "رأس المال البشري منخفض القيمة" بالتكنولوجيا، مع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي، واستعداد البنك لتسريح أكثر من سبعة آلاف موظف على مدى أربع سنوات.
طلبت الجهات التنظيمية توضيحات من البنك. وكان لا بد من تهدئة روع الموظفين. وفجأة، تحول قرارٌ تجاري إلى أزمة سمعة.
هل كان القصد شرح التحول التقني؟ ربما. ولكن، هل فهم الجميع الرسالة بهذا المعنى؟ الإجابة: لا، وهذا هو لب المشكلة.
في عالمنا اليوم، لا تعاني المؤسسات من نقص المعلومات، بل من نقص الفهم. فحين يتحدث القادة عن "التحول"، يسمع الموظفون "عدم يقين". وحين تتحدث الشركات عن "الكفاءة"، يسمع المجتمع "إقصاء". وحين تتباهى العلامات التجارية بـ"الابتكار"، يتساءل العملاء عن "الخصوصية". المستثمرون يريدون نتائج، والجهات التنظيمية تطالب بالمساءلة. رسالة واحدة. ومعانٍ متعددة.
لهذا، لم يعد دور قادة الاتصالات مجرد نقل المعلومات، بل أصبح ترجمة التعقيد.
أكثر من مجرد مكبر صوت
لطالما اعتُبر التواصل المرحلة النهائية للقيادة. يتم وضع الاستراتيجية، ودراسة الجدوى، وصياغة النصوص القانونية. ثم يأتي السؤال: "هل يمكننا إيصال هذا؟ الجواب: نعم، لكن هل ينبغي أن يقتصر التواصل على مرحلة ما بعد اتخاذ القرارات؟
لم يعد الأمر كذلك، فالعالم أصبح أكثر تعقيداً وسرعة وأقلّ تسامحاً. الذكاء الاصطناعي يُغير طبيعة الوظائف، والجغرافيا السياسية تُعيد رسم سلاسل التوريد، وتغير المناخ يُعيد ترتيب أولويات الأعمال، ووسائل التواصل الاجتماعي اختصرت المسافة بين المذكرة الداخلية والنقاش العام. الموظفون والعملاء والجهات التنظيمية والمستثمرون والمجتمعات كلهم يستمعون في آنٍ واحد، لكنهم لا يسمعون بالضرورة الشيء نفسه.
يُجسد تقرير مستقبل الوظائف لعام ٢٠٢٥ الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي هذا الحجم من التغيير، مُشيراً إلى أنّ التغير التكنولوجي، والتشرذم الجيواقتصادي، وعدم اليقين، والتحولات الديموغرافية، والتحول الأخضر ستُحدث تغييراً جذرياً في أسواق العمل بحلول عام ٢٠٣٠. وهذا تغييرٌ هائل يستحق الإعلان عنه،لكن الأهم أنّه يستحق شرحاً وافياً.
وهنا يتغير دور المتحدث: لم يعد دوره يقتصر على تحسين الرسالة، بل يتعداه إلى توضيح معناها.
افهم قبل أن تُعلن
إنّ المسؤولية الأولى للمترجم ليست اللغة، بل الفهم. لا يستطيع المختصون في التواصل تفسير التعقيد ما لم يفهموا أولاً النظام الذي يُولده. يجب عليهم استيعاب ما وراء الإعلان: نموذج التشغيل الكامن وراء التحول نحو الذكاء الاصطناعي، ومواطن الضغط الكامنة وراء القرارات التنظيمية، والمخاطر الجيوسياسية، والمبرر التجاري لإعادة الهيكلة، والأهم من ذلك، العواقب الإنسانية. بدون هذا العمق، يصبح التواصل مجرد حبرٍ على ورق.
وهنا تفقد العديد من المؤسسات المعنى. كلمات مثل التحول، والتحسين، والمرونة، والاستعداد للمستقبل قد تبدو استراتيجية داخل قاعات الاجتماعات، لكنها خارجها قد تبدو باردة، غامضة، أو حتى مُهدِّدة.
غالباً، لا تكمن المشكلة في مقاومة التغيير، بل في غياب التفسير.
ما الذي يتغير؟ ولماذا الآن؟ من سيتأثر؟ وما الدعم المتاح؟ ما الذي لا يزال غامضاً؟ ما الذي ترغب المؤسسة في دعمه؟
هذه ليست أسئلة ثانوية، بل هي أسئلة جوهرية في العمل. ويجب أن يتحلى المختصون بالثقة الكافية لطرحها قبل كتابة أي رسالة.
لا يوجد جمهورٌ واحد
المسؤولية الثانية هي فهم الجمهور.
قد يبدو هذا بديهياً، لكنه ليس كذلك، إذ لا تزال العديد من المؤسسات تتواصل كما لو كان هناك جمهور واحد فقط. في الواقع، هناك جماهير متعددة، ولكل منها مخاوفها وتوقعاتها وسياقها الخاص.
لنأخذ الذكاء الاصطناعي مثالاً: بالنسبة للرئيس التنفيذي، قد يمثل زيادة الإنتاجية والتوسع. أما بالنسبة للموظف، قد يثير تساؤلات حول جدوى العمل والأمان الوظيفي. وبالنسبة للعميل، قد يثير قلقاً حول البيانات والخدمات البشرية. لكن، بالنسبة للجهة التنظيمية، قد يثير تساؤلات حول المساءلة. نفس التقنية. واقع مختلف.
لهذا أصبح الإنصات لا يقل أهمية عن الرسالة. مهمة المتواصل هي سماع ما يُقال، وما لا يُقال. القلق وراء السؤال، والشك وراء الصمت، والخوف وراء المقاومة.
قال المفكر الإداري بيتر دراكر ذات مرة: "أهم شيء في التواصل هو سماع ما لم يُقال". اليوم، على المختصين في التواصل تذكر هذا جيداً.
الميزة البشرية
المسؤولية الثالثة هي حماية الحكم البشري، وتزداد أهميتها في عصر الذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا تُغير أساليب التواصل، لكنها لا تستطيع إصدار الأحكام.
لنأخذ مثال شركة طيران كندا. ففي عام ٢٠٢٤، قدّم نظام الدعم الآلي التابع لها معلومات خاطئة لأحد العملاء الثكالى بشأن أسعار تذاكر السفر في حالات الوفاة. عجز النظام عن إدراك مدى إلحاح الموقف، والتعاطف معه، مما أدى إلى إحباط العميل، وأزمة سمعة، وحكم قضائي ضد الشركة. كان الدرس واضحاً: قد تُوصل التكنولوجيا الرسالة، لكن الضمانات والرقابة البشرية لا غنى عنها.
في المقابل، وفي عهد ساتيا ناديلا، ربطت مايكروسوفت التكنولوجيا بالثقافة والتعلم والإمكانات البشرية، وليس فقط بالكفاءة. وكما أكد ناديلا، لا يقلّ رأس المال البشري قيمةً مع تقدم الذكاء الاصطناعي، بل تزداد قيمته. هذا التمييز مهم، لأن التغيير يكون أكثر تأثيراً حين يرى الناس مكانهم في المستقبل الذي يُصوّر لهم.
قدّم الدليل، لا التلميع اللفظي
المسؤولية الرابعة: تقديم الأدلة، فالكلام المعسول لم يعد كافياً.
عبارات مثل: الغاية، والثقة، والشفافية، والابتكار المسؤول، والتحول الذي يركز على الإنسان، تبقى مجرد كلمات دون دليل.
يطرح أصحاب المصلحة الآن أسئلة أكثر دقة: ما الذي تغير فعلاً؟ ما الإجراءات المتخذة؟ ما المقاييس؟ ما الذي ستظهره المؤسسة، لا ما ستقوله؟لهذا، تتغير استراتيجية التواصل ذاتها.
يشير تقرير ICCOالعالمي للعلاقات العامة ٢٠٢٥-٢٠٢٦ إلى أنّ سمعة الشركات ستكون المجال الرئيسي للنمو المستقبلي، وفقاً لـ 41% من المشاركين. كما كانت الاستشارات الاستراتيجية المجال الأبرز نمواً لشركات العلاقات العامة خلال العام الماضي، بنسبة 37%، والمجال الأبرز للاستثمار، بنسبة 39%.
الرسالة واضحة: لا تطلب المنظمات من فرق الاتصالات تضخيم الادعاءات الضعيفة، بل تطلب منها جعل الادعاءات القوية مرئية، وموثوقة، ومبنية على الفعل.
في عالمٍ مليء بالشكوك، أصبحت الأدلة هي الصقل الجديد.
لا تكتفِ بالضغط على زر الإرسال
من كل ما سبق، يتبلور توقع جديد: على قادة التواصل الانتقال من مجرد الإعلان إلى تقديم المشورة.
أفادت مقالة حديثة في صحيفة وول ستريت جورنال، نقلاً عن بحث أجرته شركة كورن فيري Korn Ferry، أنّ ما يقرب من نصف مديري الاتصالات الذين شملهم الاستطلاع عام ٢٠٢٥ يرفعون تقاريرهم مباشرةً إلى الرئيس التنفيذي، مقارنةً بـ ٤٠% عام ٢٠٢٣ و٣٧% عام ٢٠١٥. تقترب الاتصالات أكثر فأكثر من مركز صنع القرار لأنّ السمعة والثقة وفهم أصحاب المصلحة باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمخاطر الأعمال.
لذا يجب أن يكونوا حاضرين قبل تحول القرارات إلى بيانات. عليهم مساعدة القادة على توقع كيفية انتقال القرار عبر مختلف أصحاب المصلحة، ومراجعة اللغة السطحية، وطلب الأدلة، وحماية الفروق الدقيقة دون تعقيد الرسالة.
والأهم من ذلك، عليهم مساعدة المؤسسات على تجنب أكبر فخ في مجال الاتصالات: افتراض أنّ مجرد قول شيء ما يعني فهمه.
هناك فرق شاسع بين الإثنين. يمكن إرسال رسائل البريد الإلكتروني، وعقد الاجتماعات، وإصدار البيانات، ونشر المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن إذا لم يفهم الناس ما الذي يتغير، ولماذا هو مهم، وماذا يعني بالنسبة لهم، فإنّ التواصل لم يحدث إلا على الورق. أما الفهم فلم يحدث.
في الختام
قال الصحفي الأمريكي إدوارد آر. مورو، المعروف بالتزامه بالحقيقة والموضوعية: "لكي نكون مقنعين، يجب أن نكون جديرين بالتصديق؛ ولكي نكون جديرين بالتصديق، يجب أن نكون موثوقين؛ ولكي نكون موثوقين، يجب أن نكون صادقين". هذه هي الفكرة الأساسية.
المستقبل لن يصبح أسهل. سيُغير الذكاء الاصطناعي طبيعة العمل. والجغرافيا السياسية ستختبر مرونة الشركات. وأصحاب المصلحة سيطرحون أسئلة أكثر تعقيداً.
في عالمٍ كهذا، ستكون الثقة من نصيب المؤسسات القادرة على تبسيط التعقيد دون التقليل من شأن الحقيقة.
وهذه هي الفرصة الحقيقية لقادة التواصل: تحويل المعلومات إلى فهم، والتعقيد إلى وضوح، والتغيير إلى شيءٍ يمكن للناس تصديقه، والتساؤل عنه، وقبوله، والعمل بناءً عليه.
لأنّ الناس في الأوقات المضطربة لا يحتاجون إلى المزيد من التصريحات، بل إلى أقوالٍ صادقة.
المؤلّفنيتين مانتري
نيتين مانتري هو رئيس منطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة "وي. كوميونيكيشنز" We. Communicationsوالرئيس التنفيذي لمجموعة "إيفيان وي" Avian We. يتولى قيادة نمو الشركة في جميع أنحاء آسيا، وهو عضو في الفريق التنفيذي العالمي. وقد حوّل "إيفيان وي" من شركة ناشئة مقرها دلهي إلى واحدة من أبرز شركات العلاقات العامة في الهند، مع توسيع كبير في حضورها الوطني وفريق عملها. يُعتبر قائداً بارزاً في مجالات إدارة الأزمات والشؤون العامة والتدريب الإعلامي التنفيذي، وقد شارك في تأسيس شركة "تشايز إنديا" (المعروفة الآن باسم "تشايز أدفيزرز") في عام ٢٠١١.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
https://www.ipra.org/news/itle/itl-686-lost-in-translation-why-communicators-must-decode-complexity/
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار