من الشؤون المؤسسية إلى مجلس الإدارة: الانتقال من التنفيذي إلى غير التنفيذي

685 من الشؤون المؤسسية إلى مجلس الإدارة: الانتقال من التنفيذي إلى غير التنفيذي

تدرك مجالس الإدارة بشكلٍ متزايد أنّ السمعة ليست مجرد أصلٍ هامشي منفصلٍ عن أداء الأعمال، بل هي جزءٌ لا يتجزأ منه.

بقلم: ديفيد بروم.

شهدت مجالس الإدارة خلال العقد الأخير تحولاً جذرياً في طبيعة عملها. فالمجالس التي كانت مقتصرة في السابق على الإدارة المالية والإشراف التشغيلي، باتت تواجه اليوم مجموعة مختلفة من الضغوط: ثقة أصحاب المصلحة، والغموض الجيوسياسي، والسمعة، والثقافة، والشرعية المجتمعية. وفي هذا السياق المتغير، بدأ قادة الشؤون المؤسسية والاتصالات، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقاً كأطراف داعمة للقيادة الاستراتيجية، يجدون لأنفسهم مكاناً على طاولة المجلس ذاته.

فعلى مدى سنواتٍ طويلة، شغل مسؤولو الاتصالات مناصب غير تقليدية داخل المؤسسات الكبرى. فقد كانوا قريبين من مراكز القرار، وغالباً ما كانوا يقدمون المشورة للرؤساء التنفيذيين وقت الأزمات، وأثناء الصفقات الكبرى، والمعارك التنظيمية، وفترات التدقيق الحاد. لكنهم، رغم ذلك، نادراً ما كانوا يُعتبرون جزءاً من المسار الطبيعي المؤدي إلى قيادة المجالس. إذ كانت التعيينات تُستقطب من مجالات مألوفة: كالمالية، والقانونية، والتشغيلية، أو من خلفيات الرؤساء التنفيذيين. وكان يُنظر إلى خبرة الاتصالات على أنها مفيدة، ولكنها ليست تجارية أو استراتيجية بحد ذاتها. إلّا أنّ هذا التصور بدأ يتغير الآن، وبشكلٍ متسارع.

تُدرك مجالس الإدارة بشكل متزايد أن السمعة ليست مجرد ميزة ثانوية مرتبطة بالأداء التجاري، بل هي جزء لا يتجزأ منه.فالمؤسسات اليوم تعمل في بيئة تخضع لتدقيق شبه دائم من جميع الأطراف. وقد يتحول قرار استراتيجي إلى قضية سياسية في غضون ساعات، كما يمكن لمشكلة ثقافية داخلية أن تتحول بين عشية وضحاها، إلى مصدر قلق للمستثمرين. وفي هذا العالم المتشابك، يزداد تقدير القادة الذين لا يكتفون بفهم كيفية رؤية العالم للمؤسسة من الخارج، بل يستطيعون أيضاً تفسير التقاطعات المتزايدة التعقيد بين الأعمال والسياسة والإعلام والمجتمع. وهؤلاء القادة باتوا يتمتعون بقيمةٍ ملموسة تفوق ما كان يُعتقد سابقاً.

وهذا بالضبط ما يُفسر تزايد عدد كبار مسؤولي الاتصالات والشؤون المؤسسية الذين يتجهوم إلى شغل مناصب أعضاء غير تنفيذيين في مجالس الإدارة. فالمسار الذي كان يُعدّ، قبل سنوات، خطوةً مهنية غير مألوفة، بدأ يترسخ كخيارٍ قيادي موثوق ومُعترف به. وقد أظهرت أبحاثنا وتقاريرنا حول هذا التحول أنّ مجالس الإدارة تزداد رغبةً في ضمّ قادة يمتلكون خبرات في إدارة العلاقات مع أصحاب المصلحة، والاستدامة، والحوكمة، والسمعة. خاصةً مع تصاعد التقلبات في البيئة الخارجية التي تعمل فيها الشركات.

من العمل التنفيذي إلى التأثير غير التنفيذي

هذا التحول لا يخلو من صعوبات، بل إنه غالباً ما يكون أصعب مما يتصوره المديرون التنفيذيون في البداية. ويعود جزءٌ من التحدي إلى الاختلاف الجوهري في طبيعة الدورين. فالمسار التنفيذي يقوم على الفعل المباشر، حيث يحل المديرون التنفيذيون المشكلات، ويتخذون القرارات، ويعملون في بيئة تتطلب سرعة الاستجابة. بينما يعمل أعضاء مجلس الإدارة غير التنفيذيين، بشكلٍ مختلف، إذ يمارسون تأثيرهم غير المباشر من خلال التقييم والإشراف والنقد البناء، بعيداً عن التدخل في التفاصيل اليومية. ورغم وضوح هذا التمييز نظرياً، إلا أنّ ترجمته عملياً تستلزم إعادة ضبطٍ عميقة للعقلية والسلوك.

وقد يجد قادة الاتصالات هذا التكيف صعباً للغاية، لأنهم غالباً ما اعتادوا العمل في قلب الأحداث المتسارعة. ففي أوقات الأزمات، يكون مسؤولو الشؤون المؤسسية في مقدمة الأصوات المؤثرة داخل الفريق التنفيذي؛ إذ يُتوقع منهم تقييم المخاطر بسرعة، وتقديم المشورة الحاسمة، والتأثير في النتائج تحت الضغط. لكن العمل في مجلس الإدارة يتطلب شكلاً مختلفاً من السلطة، لا يقوم على التوجيه المباشر بقدر ما يقوم على تمكين اتخاذ قرارات أفضل من خلال طرح الرؤى الشاملة والنقد البناء.

إعادة تعريف قيمة قائد الاتصالات

ثمّة عقبة أخرى تواجه هؤلاء القادة. وهي ضرورة تجاوز الافتراضات الراسخة حول حدود خبراتهم. إذ لا تزال بعض مجالس الإدارة تتساءل، صراحةً أو ضمناً، عما إذا كان مسؤولو الاتصالات يمتلكون العمق التجارية الكافي. وهو سؤالٌ يعكس فكراً تنظيمياً عفا عليه الزمن، لكنه لا يزال قائماً في بعض الأوساط.

إلا أنّ المرشحين الأكثر تميزا لا يردون على هذا التساؤل بالدفاع عن اختصاصهم، بل بإعادة صياغة النقاش بالكامل. فهم يقدمون أنفسهم كقادة مؤسسيين اكتملت خبراتهم عبر الشؤون المؤسسية، لا عبر المالية أو العمليات فقط. وهذه الرؤية أصبح من الصعب دحضها. إذ يشارك كبار مسؤولي الشؤون المؤسسية اليوم في صياغة التحول الاستراتيجي، والتواصل مع المستثمرين، وقيادة ملفات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، وتشكيل الثقافة التنظيمية، والتعامل مع المتغيرات التنظيمية. وفي العديد من الشركات، يمتلك هؤلاء القادة رؤيةً أوسع من غيرهم لواقع المؤسسة وتحدياتها.

وهذه النظرة الشاملة ليست رفاهية، بل ضرورة في مجالس الإدارة الحديثة. فالحوكمة اليوم لم تعد تقف عند حدود الجدوى المالية، بل تتطلب فهماً عميقاً لكيفية تأثير القرارات على الصعيدين السياسي والاجتماعي، فضلاً عن تأثيرها على السمعة. فبعض الأزمات المؤسسية الأعنف في السنوات الأخيرة لم تنشأ كمشاكل مالية على الإطلاق، بل كانت في الأساس أخطاء في التقدير، أو قصوراً في الثقافة، أو ضعفاً في الوعي المجتمعي، ثم تطورت لاحقاً إلى أزمات تنظيمية أو تشغيلية أو استثمارية.

وهنا تكمن القيمة المضافة الفريدة التي يقدمها قادة الاتصال كأعضاء غير تنفيذيين. فهم يُدركون كيف تنهار الثقة، وكيف يُمكن فقدان مصداقية القيادة بسرعة. ولديهم حس مرهف بتلك الديناميكيات غير المرئية التي قد تنقلب فيها المعادلات في لحظات. ومجالس الإدارة اليوم في أمسّ الحاجة إلى أعضاء يمتلكون هذا النوع من البصيرة.

بناء المصداقية، خطوة بخطوة

مع ذلك، يظل الحصول على أول منصب غير تنفيذي تحدياً كبيراً. فالتعيينات في المجالس لا تزال تعتمد بشكلٍ كبير على العلاقات والشبكات المهنية، مما يستلزم من قادة الاتصالات العمل بوعي لتوسيع دوائرهم لتشمل مجتمعات الحوكمة، لا أن تقتصر على أوساط الشؤون المؤسسية فقط. وبالنسبة لمعظمهم، يأتي التعيين الأول تدريجياً - عبر المجالس الاستشارية، أو المؤسسات الخيرية، أو الشركات التابعة، أو الشركات الخاصة - قبل أن تتاح لهم فرصٌ أوسع.

والصبر هنا فضيلة لا غنى عنها. فالمسيرة المهنية في المناصب غير التنفيذية نادراً ما تُبنى بسرعة. فهي تتشكّل تراكمياً، غالباً من خلال سلسلة من الفرص الصغيرة التي تُرسخ المصداقية وتُعمق الفهم لآليات عمل المجالس. غير أنّ بعض المديرين التنفيذيين يغفلون عن هذه الحقيقة لأنهم يتعاملون مع التعيينات في مجالس الإدارة بعقلية تنفيذية بحتة، فهم يستهدفون المنصب مباشرةً بدلاً من السعي إليه تدريجياً.

لماذا ينفتح الطريق الآن؟

وأخيراً، ربما يكون الجانب الأهم في هذا التحول الأوسع هو ما يكشفه عن تحوّلٍ أعمق في مفهوم القيادة ذاته.

فالتقسيم التقليدي الذي كان يفصل بين القيادة التجارية "الصارمة" وقيادة العلاقات مع أصحاب المصلحة "المرنة" لم يعد له وجود يُذكر. فالمستثمرون اليوم يتفحصون الثقافة، والجهات التنظيمية تدرس غايات المؤسسات، والموظفون يتوقعون وضوحاً أخلاقياً من فرق القيادة. ولم تعد السمعة والاستدامة والحوكمة مجرد مواضيع جانبية تُناقش بمعزل عن استراتيجية الأعمال، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ منها.

وتستجيب مجالس الإدارة لهذا التحول. فالعدد الصغير، لكن المتزايد، من قادة الشؤون المؤسسية والاتصالات الذين يشغلون مناصب غير تنفيذية، يعكس إدراكاً متنامياً بأن المؤسسات المعاصرة تحتاج إلى أشكالٍ أوسع من الحكم، وأكثر تنوعاً في الخبرات. فقادة الاتصالات أمضوا سنوات في التعامل مع الغموض، والموازنة بين مصالح متضاربة، والعمل في ظروفٍ تتسم بعدم اليقين والمراقبة المستمرة. وهذه القدرات لم تعد هامشية أو مكملة، بل أصبحت جوهرية في صميم القيادة الفعالة.

ومع ذلك، لا يزال هذا التحول صعباً. فتعيينات مجالس الإدارة لا تزال شديدة التنافسية، وتعتمد على العلاقات، وفي كثير من الأحيان، تتسم بالغموض المُحبط. كما لا يزال على قادة الاتصالات إثبات قدرتهم على العمل بما يتجاوز خبراتهم الوظيفية والمساهمة على مستوى المؤسسة. التوقعات عالية، وهذا أمرٌ طبيعي.

لكن ثمّة تغيراً جوهرياً حدث. فقد بدأت مجالس الإدارة تدرك أنّ العديد من المخاطر الكبرى التي تهدد المؤسسات اليوم ليست تشغيلية أو مالية فحسب، وإنّما أصبحت تتعلق بالسمعة والسياسة والثقافة والمجتمع. وبالتالي لم يعد المسؤولون التنفيذيون الذين أمضوا حياتهم المهنية في التعامل مع هذه التحديات بالذات مجرد مستشارين من خارج القاعة، بل أصبحوا شركاء فيها.

وفي الختام، بالنسبة لقادة الشؤون المؤسسية والاتصالات الذين يمتلكون الرؤية الشاملة والحكمة الرشيدة والصبر اللازمين لإتمام هذا التحول، لم يعد الطريق إلى المناصب القيادية غير التنفيذية مستحيلاً أو بعيد المنال، بل أصبح مساراً ذا مصداقيةٍ كاملة، ومدخلاً شرعياً إلى مستقبل القيادة المؤسسية.

المؤلّفديفيد بروم

ديفيد بروم هو الشريك الإداري في شركة بروم ياسار بارتنرشيب Broome Yasar Partnership، وهي شركة عالمية متخصصة في البحث عن الكفاءات التنفيذية في مجالات الشؤون المؤسسية وعلاقات المستثمرين.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-685-from-corporate-affairs-to-the-boardroom-making-the-transition-from-executive-to-non-executive/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org