عندما تقرر الآلات بمن تثق: الإعلام المكتسب والمملوك في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

689 عندما تقرر الآلات بمن تثق: الإعلام المكتسب والمملوك في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

الثقة بالذكاء الاصطناعي لا تعني الإيمان بالحس البشري، بل هي حكمٌ عملي على مدى ملاءمة المصدر، ومصداقيته الكافية للاستخدام، وهيكليته القابلة للاسترجاع بقلم بيرترام أوبا

لسنوات، تعاملت فرق الاتصالات المؤسسية مع وسائل الإعلام المدفوعة والمكتسبة والمشاركَة والمملوكة (PESO) كنموذج توزيعٍ استراتيجي: فالإعلام المكتسب يبني المصداقية، والمملوك ينقل المعلومات الرسمية، والمشارك يوسع نطاق الحوار، والمدفوع يضيف دقةً وشموليةً للوصول. لكنّ البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) يحوّل هذا النموذج إلى بنية ثقة، مع تركيزٍ خاص على الإعلام المكتسب والمملوك.

اليوم، يمكن أن تُصبح قصة إعلامية، أو تقرير محلل، أو منشور إخباري مؤسسي، أو سيرة ذاتية لأحد المديرين التنفيذيين، أو صفحة منتج، جميعها مدخلات في نفس الإجابة التي يُولدها النظام الآلي. في هذا السياق، لا يعمل الإعلام المكتسب والمملوك كمساراتٍ منفصلة، ​​بل يتكاملان لتعليم الآلات ما يجب استرجاعه، وما يجب الوثوق به، وما يجب تكراره. هذا تطورٌ في كيفية تعامل متخصصي العلاقات العامة مع عملهم وكيفية إظهار القيمة.

لم يعد السؤال المحوري: "هل نجحنا في نشر القصة؟" أو حتى "هل زار الجمهور موقعنا؟" بل أصبح: "كيف سيُفسر الذكاء الاصطناعي هذه المصادر المختلفة حين يسأل أحدهم عنا؟". إنّ الظهور في نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي لا يقتصر على تطوير الرسائل الصحيحة وإيصالها، بل يتعداه إلى تنظيمها بشكلٍ ملائم.

آليات الثقة في الذكاء الاصطناعي

لا تكشف منصات الذكاء الاصطناعي والبحث الرئيسية عن صيغةٍ موحدة للثقة، لكنها تُفصح عن معلوماتٍ كافية لتحديد التوجه العام. تُؤكد جوجل أنّ الثقة هي العنصر الأهم في إطار عملها القائم على الخبرة والكفاءة والسلطة والجدارة بالثقة (E-E-A-T)، وتُشدد على هوية مُنشئ المحتوى، وكيفية إنشائه، وسبب وجوده. تُعرّف OpenAIخدمة البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي ChatGPT Searchبأنها تعرض مصادر الويب ذات الصلة، وتربط المستخدمين بالمحتوى الأصلي عالي الجودة. والإشارة واضحة: ما يُمكن اكتشافه، ونسبته إلى مصدره، وتأكيده، يحظى بوزنٍ أكبر.

الثقة في الذكاء الاصطناعي ليست إيماناً بالمعنى البشري، بل هي ثقة تشغيلية. إنها حكم النظام بأنّ المصدر ملائم، وموثوقٌ به بما يكفي للاستخدام، ومنظم بما يكفي للاسترجاع. والثقة لا تُبنى على مؤشرٍ واحد، بل يُستدل عليها من مجموعة من الأدلة تشمل: سمعة المصدر، والتأييد الخارجي، والخبرة المباشرة، ووضوح هوية المؤلف، وكثافة المعلومات، والاتساق بين الإشارات، والقدرة على تدعيم الادعاءات بأدلة قابلة للاسترداد. والمتواصلون الذين يفهمون هذه المجموعة يفكرون بالفعل ضمن الإطار الصحيح.

لماذا يحتاج الإعلام المكتسب والمملوك بعضهما اليوم؟

يوفر الإعلام المكتسب مصداقية خارجية، إذ يمنح النظام سبباً للاعتقاد بأنّ ادعاءاتك ليست مجرد ترويجٍ ذاتي. لكنّ الإعلام المكتسب لا يقتصر على التغطية الإخبارية التقليدية، بل يشمل تقارير المحللين، والبحوث المستقلة، والأوراق البحثية، والمنتديات القطاعية، ومنصات التقييم، والمراجع الأكاديمية، وحتى المحتوى المملوك لجهات خارجية والذي يشير إلى مؤسستك. ينبغي على مسؤولي الاتصالات المؤسسية مقاومة إغراء التركيز فقط على المنافذ الإعلامية الرائدة؛ ففي عصر الذكاء الاصطناعي، قد يكون العمق أهم من الانتشار. إذ يمكن لمنشورٍ تجاري متخصص يقدم تقارير معمّقة عن قطاعك أن يحمل وزناً أكبر من مجرد ذكرٍ عابر في منفذٍ إعلامي أوسع. فالعبرة ليست بالمكانة وحدها، بل بالمصداقية، والأهمية، والتفاصيل التي يمكن للنظام استخدامها.

أما الإعلام المملوك، فيوفر وضوحاً تفسيرياً، إذ يقدم الحقائق الرسمية، والتعريفات، والتسلسل الزمني، ولغة القيادة، والأدلة التي غالباً ما تعجز التغطية الإعلامية الخارجية عن تضمينها بالكامل. في بيئة محركات إجابات الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي، لا يُعد أفضل بيانٍ صحفي مجرد وثيقة، بل هو موجزٌ قابل للقراءة آلياً. ينبغي أن يكون المحتوى واضحاً، ودقيقاً، وسهل الوصول إليه، وسهل الاستخلاص. إذا أكدت وسائل الإعلام المكتسبة صحة الادعاء، فإنّ وسائل الإعلام المملوكة توضحه.

يربط الاتساق بينهما. فإذا وصفت شركةٌ ما استراتيجيتها بطريقة معينة في مواد المستثمرين، وبأخرى على موقعها الإلكتروني، وبثالثة في كتابات القيادة التنفيذية، فإنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تعتبر ذلك تبايناً دقيقاً، بل غالباً ما تعتبره غموضاً. والغموض يُضعف الثقة. لذلك، لم تعد الروايات المتماسكة والمتسقة عبر القنوات مجرد ممارسة تواصلٍ جيدة، بل أصبحت بنيةً أساسية.

أين تُكتسب الثقة الآن؟

لطالما كان التواصل المؤسسي قائماً على بناء الثقة. لكن ما تغير هو مكان كسبها. فهي لم تعد تُكتسب فقط عندما يقرأ المعني قصة إخبارية أو يزور موقع الشركة، بل تُكتسب بشكلٍ متزايد في مرحلةٍ أبكر، عندما يقرر نظام الذكاء الاصطناعي أيّ الإشارات تبدو موثوقة بما يكفي لاسترجاعها، ومترابطة بما يكفي لتحليلها، وواضحة بما يكفي لإعادة صياغتها.

في هذا السياق، لا تحل وسائل الإعلام المكتسبة محل وسائل الإعلام المملوكة، ولا تقلل وسائل الإعلام المملوكة من شأن وسائل الإعلام المكتسبة. معاً، يشكلان البنية التحتية السماعية التي تبني منها الآلات الفهم العام. وبالنسبة لمختصي الاتصال، يعني هذا أنّ دورهم يتجه نحو المراحل الأولية، نحو الاستراتيجية، والتقييم التحريري، وسلامة المصادر، واتساق السرد، وإدارة المخاطر، لا نحو توليد المحتوى الآلي فحسب. فالقيمة التي نضيفها تتزايد بشكلٍ ملحوظ في منبع الآلة، لا داخلها.

ثلاث نقاطٍ أساسية لفرق الاتصال

أولاً: أنشئ مصدراً موثوقاً للمعلومات يمكن الوصول إليه بسهولة. تعامل مع البيانات الصحفية، والسير الذاتية للمسؤولين التنفيذيين، وبيانات القضايا، والأسئلة الشائعة، والبيانات التعريفية كجزء من عملية استرجاع المعلومات، وليس مجرد التزامات نشر. والأبحاث الحالية وتوجيهات الممارسين تشير إلى نفس النتيجة: ما هو واضح، وحقيقي، وقابل للفهرسة، ومفهرس علناً، لديه فرصة أكبر بكثير في التأثير على فهم الذكاء الاصطناعي مقارنةً بما هو محجوب، أو ضمني، أو مبعثر في مستندات منفصلة.

ثانياً: تقويم المصداقية، لا اتساع الانتشار. أعد النظر في كيفية تقييم التغطية الإعلامية المكتسبة. حدد المنافذ الإعلامية، والصحفيين، وقادة الرأي الرئيسيين الذين تستحضرهم نتائج الذكاء الاصطناعي في مجال عملك. لم تعد الإشارات المكتسبة مقتصرة على وسائل الإعلام التقليدية التي تستهدف المشتركين فقط؛ ففي عصر الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، يمكن للعديد من مصادر المحتوى الخارجية التي تشير إلى مؤسستك أن تصبح مدخلاتٍ للآلات.

ثالثاً: حافظ على الأصالة كعامل تمييزٍ تنافسي. تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتجميع المعلومات من مصادر موجودة، مما يعني أنّ الناتج الافتراضي يميل إلى المتوسط.إنّ التفكير الأصيل، ووجهة النظر المتميزة، والبيانات الخاصة، ليست مجرد مزايا تحريرية، بل هي المحتوى الذي يبرز في عالمٍ مُصنّع، والذي يُرجّح أن يُنسب إلى صاحبه، ويُستشهد به، ويُسترجع. كما أنّ اتساق هذا الصوت عبر جميع المواد يزيد من رسوخه وقوته.

المؤلّفبيرترام أوبا

يشغل بيرترام أوبا منصب نائب الرئيس الأول في شركة فليشمان هيلارد "FleishmanHillard" اليابان، حيث يقود قسم الصحة وعلوم الحياة. ويقدم استشاراته لشركات الأدوية والتكنولوجيا الطبية متعددة الجنسيات بشأن تحديات الاتصالات المعقدة، مستنداً إلى خبرته في تحليلات البيانات والاستراتيجية الرقمية وإدارة السمعة.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-689-when-machines-decide-who-to-trust-earned-and-owned-media-in-the-genai-era/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد


تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org