السُّمعة كرأس مالٍ استراتيجي: لماذا باتت الثقة والمصداقية والمرونة، تُحدد القيمة المؤسسية؟

السُّمعة كرأس مالٍ استراتيجي: لماذا باتت الثقة والمصداقية والمرونة، تُحدد القيمة المؤسسية؟

السمعة تشبه رأس المال، فهي شيءٌ يمكن بناؤه، وتعزيزه، واستنزافه، وحمايته

بقلم: رون جابالRon Jabal

في ظل بيئة المعلومات المتقلبة والمفعمة بالعواطف اليوم، تُدرك المؤسسات أنّ السمعة أصبحت من أقوى المؤشرات على قدرة المنظمة أو العلامة التجارية على تجاوز التحديات، وجذب الدعم، والحفاظ على مكانتها. ورغم أهمية الأداء المالي، والكفاءة التشغيلية، والخبرة الفنية، إلا أنها لم تعد تضمن الثقة بشكلٍ قاطع. فما تعتمد عليه الجهات صاحبة المصلحة والمستهلكون في نهاية المطاف، هو فهمهم لنوايا المؤسسة/العلامة التجارية، وكفاءتها، وقدرتها على تحمل الضغوط.

هذا التحول يُعيد تشكيل نظرة الشركات والحكومات إلى القيمة. فالمقاييس التقليدية لا تُقدم سوى جزءٍ من الصورة؛ إذ تُقدم أسعار الأسهم، والحصة السوقية، ومخرجات السياسات، ومعدلات التأييد لمحةً سريعة عن الأداء، لكنها لا تُجسد بشكلٍ كامل كيفية تقييم الناس للمؤسسات. ولطالما كان هناك شعورٌ بأنّ "للسمعة أهمية"، إلا أنّ القادة غالباً ما افتقروا إلى منهجيةٍ مُنظمة لقياسها أو فهم كيفية تأثيرها.

في ضوء ذلك، قمت بتطوير معادلة "رأس مال السمعة" (RepCap)، التي تنطلق من فكرة أن السمعة تعمل مثل رأس المال؛ فهي شيءٌ يمكن بناؤه، وتعزيزه، واستنزافه، وحمايته. ووفقاً لهذا النموذج، تُبنى السمعة من خلال الثقة والمصداقية والمرونة، بينما تضعف بفعل المخاطرة التي تعمل كقوة موازنةٍ معاكسة. لقد تصوّرت أنّ هذا الإطار قابلٌ للتطبيق على كلٍ من الشركات والحكومات، رغم اختلاف مهام كلٍ منهما.

حدود القياس التقليدي

لعقودٍ طويلة، اعتمدت المؤسسات والعلامات التجارية على مؤشراتٍ غير مباشرة وأبعادٍ مختلفة لفهم السمعة. فعلى سبيل المثال، كان يُفترض لقيمة العلامة التجارية للشركة أن تعكس الثقة. كما كانت نسب استطلاعات رأي الحكومات تُعتبر بوضوح مؤشراتٍ على الشرعية. لكنّ هذه الأدوات غالباً ما تلتقط الأعراض، لا الظروف الكامنة.

كما يمكن لشركةٍ ما، أن تحقق إيراداتٍ قياسية (وهو ما يعتبره البعض مؤشراً على السمعة والولاء) ومع ذلك تواجه ردود فعلٍ عكسية من المستهلكين إذا شككت الجهات صاحبة المصلحة في نزاهتها. ويمكن للحكومة أن تحقق نمواً اقتصادياً، ومع ذلك تفقد ثقة الجمهور إذا شكك المواطنون في نزاهتها أو شفافيتها. ومن الواضح أنّ الفجوة بين الأداء والإدراك آخذةٌ في الاتساع، وبالتالي يحتاج القادة والمسؤولون التنفيذيون إلى طرقٍ أفضل لتفسيرها.

يعالج "رأس مال السمعة" هذه القضية بالتعمق أكثر، أي من خلال النظر في كيفية تفسير الناس/الجهات صاحبة المصلحة/المستهلكين للسلوك، وليس فقط كيفية تفاعلهم مع النتائج.

شرح "رأس مال السمعة" (The RepCap)

يعتمد نموذج "رأس مال السمعة" على تعريف السمعة بأنها نتاج ثلاثة عوامل مترابطة:

1. الثقة: الاعتقاد بأنّ المؤسسة تتصرف بنزاهة وحسن نية.

2. المصداقية: الاعتقاد بأنها قادرة وموثوقة وكفؤة.

3. المرونة: الاعتقاد بأنها قادرة على الصمود في وجه الأزمات، والتكيف، ومواصلة العمل.

ولأنّ هذه العناصر تقوي بعضها البعض، يستخدم النموذج منطقاً تراكمياً. وبناءً عليه، فإنّ انهيار أحد العناصر يؤثر سلباً على رأس مال السمعة. أما المخاطر، فتعمل على إضعاف تأثيرات العناصر الثلاثة جميعاً. وهذا يُفسر سبب تعرض المؤسسات والعلامات التجارية ذات التاريخ الطويل من النجاح لانخفاضٍ حادٍ ومفاجئ في سمعتها عند ارتفاع مستوى الخطر.

معادلة رأس مال السمعة للشركات

في بيئات الشركات، تُشير الثقة إلى النزاهة والنوايا، وتُشير المصداقية إلى الكفاءة، بينما تُشير المرونة إلى الجاهزية. أما المخاطر — الناشئة عن إخفاقات الحوكمة، أو الانتهاكات الأخلاقية، أو الانهيارات التشغيلية، أو الصدمات الجيوسياسية — فتعمل على إضعاف القوة المشتركة لهذه السمات. حتى عندما تبدو النتائج المالية مستقرة، فإنّ المخاطر غير المدارة أو المرتفعة تؤدي إلى تآكل رأس مال السمعة من خلال تعويض المكاسب في الثقة والمصداقية والمرونة. فكلما ارتفعت المخاطر، بدأت الجهات صاحبة المصلحة في تفسير إجراءات الشركة من خلال عدسةٍ أكثر تشككاً. المستثمرون يصبحوا حذرين، وتُظهر الجهات التنظيمية نفاد صبر، كما يصبح المستهلكون أقلّ تسامحاً.

كما يربط نموذج "رأس مال السمعة" (RepCap) هذه العوامل بقيمة المؤسسة من خلال توسيع نطاق المعادلة لتشمل الإيرادات السنوية. ببساطة، كلما كانت البصمة الاقتصادية للشركة أكبر، زاد تأثير رأس مال السمعة على قيمتها الإجمالية. إنّ وجود رأس مال سمعةٍ قوي يحمي الشركة من الأزمات، بينما يُضخّم الضعيف منها حجم الضرر.

معادلة رأس مال سمعة الحكومة

عند تطبيق هذه المعادلة على الحكومات، فإنها تعمل بطريقةٍ مشابهة، لكنها تؤثر على الشرعية لا على التقييم. فعلى سبيل المثال، تتشكل ثقة المواطنين من خلال العدالة المتصورة والمصلحة العامة. وتعكس المصداقية الكفاءة والتماسك والموثوقية. أما مرونة الحوكمة فتعكس قدرة الدولة على العمل أثناء الأزمات، مثل الكوارث الطبيعية والأوبئة والصدمات السياسية، على سبيل المثال لا الحصر.

وتؤدي المخاطر السياسية، وفضائح الفساد، والصراع بين النخب، وعدم الاستقرار المؤسسي، إلى انخفاض رأس مال السمعة حتى عندما تبدو المؤشرات الاقتصادية جيدة. وهذا يفسر سبب فقدان الحكومات للدعم الشعبي رغم المؤشرات الإيجابية: فالشرعية تعتمد على التفسير، لا على المقاييس وحدها.

أهمية وجود الإطار الموحد

على الرغم من اختلاف الضغوط التي تواجهها الشركات والحكومات، إلا أنّ آليات تقييم الناس لها متشابهة بشكلٍ لافت. فكلاهما يعمل في بيئاتٍ تتشكل فيها الروايات بسرعة، وينتشر فيها انعدام الثقة بسرعة، وقد تفوق فيها الانطباعات الأداء الفعلي.

في ظل هذه الظروف، يُحقق وجود نموذجٍ موحد لرأس مال السمعة ثلاث فوائد عملية:

أولاً، يُوفر للمؤسسات لغةً مشتركةً للمخاطر والمصداقية. فالقطاعان العام والخاص يعملان بشكلٍ متزايد في بيئاتٍ مترابطة، وغالباً ما تنتقل آثار الأزمات في أحدهما إلى الآخر.

ثانياً، يُغير هذا النموذج طريقة التفكير من التواصل التفاعلي إلى قيادةٍ استباقيةٍ للسمعة. فلم يعد بإمكان المؤسسات انتظار الأزمات لكشف نقاط ضعفها، بل يجب عليها تعزيز الثقة والمصداقية والقدرة على الصمود قبل وقتٍ طويل من اشتداد التدقيق.

ثالثاً، يُتيح هذا النموذج التكامل المستقبلي مع الأنظمة القائمة على البيانات. فمع تطور تحليلات المشاعر، ومؤشرات الحوكمة، ونماذج الذكاء الاصطناعي، يُمكن لـ RepCapوRepCapGovتشغيل لوحات معلوماتٍ ديناميكية تُراقب رأس مال السمعة في الوقت الفعلي.

الاستشراف المستقبلي

يكمن مستقبل قياس السمعة في التقييم المستمر والواقعي. وتُعدّ معادلة (RepCap)مناسبةً تماماً لهذا التطور، لأنها تعكس الدوافع النفسية العالمية. فبغضّ النظر عن البلد أو الثقافة أو القطاع، يظلّ الأفراد يوجّهون إلى المؤسسات الأسئلة الجوهرية نفسها:

-          هل نواياها حسنة؟

-          هل هي على درايةٍ بما تفعله؟

-          هل ستصمد في الأزمات؟

عندما تُجيب المؤسسات على هذه الأسئلة الثلاثة بإقناع، فإنها تكتسب أثمن أنواع المزايا وأكثرها ديمومة – ألا وهي الثقة.

كذلك لم تعد السمعة مجرد أصلٍ غير ملموس يقع على هامش الاستراتيجية، بل أصبحت الآن عاملاً أساسياً في تحديد قيمة المؤسسة واستقرارها. ومعادلة "رأس مال السمعة" تُقدّم منهجاً مُنظّماً لفهم هذه القيمة وقياسها من خلال تعريف السمعة بأنها التأثير المُجتمِع للثقة والمصداقية والمرونة، مع مراعاة عامل المخاطرة.

وسواءً تمّ تطبيق هذه المعادلة على الشركات أو الحكومات، فإنها تكشف حقيقةً جوهرية مفادها أنّ المؤسسات لا تزدهر أو تنهار بناءً على الأداء وحده، بل على التفسيرات التي تُشكّل الثقة في نواياها وكفاءتها واستمراريتها.

المؤلّفالدكتور رون إف. جابال

الدكتور رون إف. جابال، الحاصل على لقب "أخصائي علاقات عامة معتمد" (APR)، هو الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة مجموعة "بيج ون" (PAGEONE Group)، وهي شبكة تضم ست وكالات تُعتبر واحدةً من أبرز شركات العلاقات العامة في الفلبين وجنوب شرق آسيا. كما أنه أستاذ مشارك في جامعة تايلور بماليزيا، وكاتب عمود اقتصادي في كبرى الصحف الفلبينية. يمتلك خبرةً واسعة كمستشارٍ أول للاتصالات لكلٍ من الأمم المتحدة، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، وبنك التنمية الآسيوي في الفلبين.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-664-reputation-as-strategic-capital-why-trust-credibility-and-resilience-now-define-institutional-value/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org