البحث عن الابتكار المناسب: ما مدى فائدة ذكاء الإعلام الاصطناعي؟
699البحث عن الابتكار المناسب: ما مدى فائدة ذكاء الإعلام الاصطناعي؟
بالنسبة لقطاع تحليل البيانات الإعلامية، فالأمر واضح. يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداةٍ لتقديم الخدمات بشكلٍ أسرع وأفضل وأكثر مرونة.
بقلم فلوريان لازلو (Florian Laszlo)
في وقتٍ بات فيه مجرد ذكر الذكاء الاصطناعي كفيلاً بإضافة مليارات الدولارات إلى القيمة السوقية لشركة تكنولوجيا وبرمجيات ضخمة أصلاً، يقف المستخدم العادي حائراً لا يدري كيف يتعامل معه. غير أنّ العاملين في قطاع تحليل البيانات الإعلامية، سواءً في منظمات المراقبة الإعلامية MMOsأو شركات التحليل المتخصصة، قد أدخلوا الذكاء الاصطناعي في سير عملهم اليومي، وكيّفوا إجراءاتهم مع قدراته المحدودة أحياناً.
ونحن كقطاع متقدمون بخطواتٍ في الاستخدام العملي، إذ بدأنا بتطبيقه قبل ظهور ChatGPTالذي انتبه إليه الجميع. لكن هناك اتجاهاً واحداً في هذا القطاع أودّ تسليط الضوء عليه من خلال استعارتين من "العالم القديم".
إذا كنت تمتلك جزازة عشبٍ آلية، فستلاحظ ميلها إلى التعثر أو الانحراف عن مسارها بسبب العوائق الموجودة على العشب، فهي عموماً لا تُحب الأشكال غير المنتظمة. وبسبب أدائها الذي لا يتجاوز التسعين في المئة، ينتهي الأمر بالمستخدم إلى تعديل الحديقة لتصبح مستطيلة الشكل، دون أي حدودٍ مُقلمة لأحواض الزهور. وسيقل استخدامه للآلة، إذ سيبقى شيءٌ ما عالقاً بالعشب، مما يقلل من كفاءتها مجدداً. وهكذا يتكيف الإنسان مع الآلة الجامدة، لأن عالمه أعقد من أن تستوعبه.
أمّا الصورة الثانية فهي لحفّارةٍ شبه مجانية ومتاحة لك دائماً. سيبدأ الإنسان المُولع باللعب بحفر الحفر وتكديس التراب، للمتعة وأي فرصةٍ ضئيلة في العثور على ذهبٍ أو نفط أو أي شيءٍ آخر قد يكون مفيداً. وفي النهاية، ستجد حفراً كثيرة، وحديقةً مُدمرة – غير مناسبةٍ تماماً للجزازة الآلية ولا صالحةً للعرض. ثم يُخبرك الشخص الذي أعطاك الحفارة أنك استهلكت كلّ رصيدك وعليك الدفع لتسوية الأرض مجدداً.
والذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى هذه المرحلة بالنسبة للمستخدم العادي، لكنه وصل إليها بقوة بالنسبة للشركات التي تستخدمه بكثافة (مثل أوبر)، وقد استجابت هذه الشركات بتقليص استخدامه.فماذا تخبرنا هذه القصص عن صناعة ذكاء الإعلام؟
المنافسة من الشركات الناشئة
أولاً، لا تزال المنافسة محتدمة من الشركات الناشئة حديثة التأسيس، التي تُطلق بانتظام منتجاتٍ جديدة بحثاً عن عملاء ذوي احتياجاتٍ مُلائمة. وطالما كان رأس المال الاستثماري وفيراً والرؤية سليمة، فقد يُقدم العملاء على هذه الخطوة. وبما أنّ العديد من العملاء أصيبوا بخيبة أمل من قبل، فإنّ مجموعة المستخدمين المحتملين آخذةٌ في التقلص. كما يصبح الوقت اللازم لاستهلاك البيانات واستخدامها أكثر محدوديةً في ظل الركود الاقتصادي.
وإذا استثمر العميل في هذه التقنية، أثار الكثير من التساؤلات والملاحظات، وأشار بأصابع الاتهام إلى الأخطاء. وهذا يُبقي مُقدمي الخدمات في حالة خسارة، ويُقلل من رغبة العملاء المحدودة أصلاً ("الذكاء الاصطناعي لا يُكلف شيئاً ويُمكنه فعل كل شيء") في الدفع مقابل تجربة بنسبة اثنين وتسعين في المئة.
ومع ذلك، لا يزال السوق يبحث عن الابتكار الأمثل، ولذا تستحوذ الشركات الرائدة في مجال المراقبة الإعلامية على الشركات الناشئة وتختفي بانتظام، وتُدمج أساليبها في الحزم البرمجية الكبيرة حتى تصبح غير قابلةٍ للتمييز. ثم تظهر شركةٌ ناشئة أخرى.
وفي المقابل، تتبنى منظمات المراقبة الإعلامية الأخرى أساليباً وأفكاراً جديدة لتحليل البيانات. وبعد جلسات عصفٍ ذهنيٍ قليلة، تُصمَم إضافةٌ جديدة إلى المنتج، وبفضل الذكاء الاصطناعي، تُبرمَج بسرعة بشفرة برمجية احتكارية.
تتسارع دورة الابتكار
لا يقلل هذا التأثير من أهمية الشركات الناشئة والشركات أحادية الحيلة فحسب، بل يقلّص أيضاً الفترة الزمنية التي تحتاج فيها الابتكارات إلى تغطية تكاليفها وتحقيق عائد الاستثمار. ففكرة المنتج غير قابلةٍ للحماية ويمكن لأي شخصٍ آخر "إعادة ابتكارها" بشفرة برمجية احتكارية في غضون أيام.
وهذا يزيد من دورة الابتكار أكثر فأكثر، مما يضغط على ميزانيات منظمات المراقبة الإعلامية في الوقت الذي يعاني فيه العميل من ضيقٍ في الميزانية. فاجتماعات العملاء السنوية تُناقش تخفيضات الأسعار بدلاً من المنتجات الجديدة، مع الحاجة المستمرة إلى إضافة ميزاتٍ جديدة، لأنّ المنافسة قد تقدم نفس الميزات كهديةٍ إضافية مجانية.
وهكذا تنخر هذه الدورة المُضخّمة للابتكار، والتي لا تدعم في الغالب العمل الأساسي، الأساس المالي.
معضلة التميّز
إذا استُخدم الذكاء الاصطناعي بطريقةٍ مُجدية مالياً، فإنه غالباً ما يُخفّض التكاليف ولا يُوفّر مصادر دخلٍ جديدة (انظر أعلاه). وفي قطاع الخدمات، يُعدّ العمل البشريّ البندَ الرئيسيّ في التكاليف. وإذا ما طُوّر هذا النموذج إلى أقصى حد، فسنحصل على عملية ذكاءٍ اصطناعي مُبسّطة وفعّالة للغاية، مُصمّمة خصيصاً لخفض التكاليف. وبالتالي، فإنّ عامل البيع الفريد (USP) الوحيد المتبقي هو السعر.
غير أنه نظراً لوجود منافسين يمتلكون إمكانياتٍ أكبر دائماً، فإنّ المنافسة على السعر فقط تُعدّ ضرباً من الحماقة. فالمنافس العادي، أو شركةٌ ناشئة مموّلة برأس مالٍ مخاطر، أو مؤسسةٌ مملوكة للدولة، أو حتى شركةٌ تُقدّم خدمةً مجانية جعلتَ منها جوهر عرضك للسوق، سيرونك عاجزاً عن الدفاع عن نفسك. وإذا كان السعر هو الحجّة الوحيدة المتبقية، فستخسر.
لذلك يكمن التميّز في الخدمة وفي العنصر البشريّ، حيث لا يستطيع أيّ شخص في منطقةٍ نائية مزوّدةٍ باتصالٍ بالإنترنت منافستك على نفس المستوى.
أما بالنسبة لقطاع ذكاء الإعلام، فالأمر واضح. حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداةٍ لتقديم الخدمة بشكلٍ أسرع وأفضل وأكثر مرونة، وفيه نستغلّ كلّ تقنيةٍ جديدةٍ لصالحنا. فعلى مدار ما يزيد عن مئةٍ وخمسين عاماً من تاريخ هذه الصناعة، شهدنا العديد من تقنياتٍ غيرت الحياة وربما كانت قادرةً على تدمير الصناعة، مثل جهاز الفيديو، وآلة زيروكس، ومشغل MP3، والإنترنت، والآن الذكاء الاصطناعي. غير أنّ هذه التقنيات لم تُدمر شيئاً في نهاية المطاف، وإن كان الإمكان قائماً بمجرد طرحها في السوق. وهكذا قفزنا من دورة الضجيج إلى دورة الهلاك، وصولاً إلى التبني.
ويمتلك الذكاء الاصطناعي، نظرياً، القدرة على تغيير كل شيء أو حتى تدميره. فقد شاهدنا في طفولتنا بعضاً من أفلام الخيال العلمي التي تصور مستقبلاً بائساً للذكاء الاصطناعي (هل من أحدٍ يذكر فيلمي "المبيد" و"الاستدعاء الكامل"؟). واليوم يحذر العلماء والفلاسفة مجدداً من مخاطره السلبية، وعن حق.
وطالما بقي الإنسان محور كل الجهود - وهو أمرٌ سهل لأنه يدفع كلّ الفواتير- سيظل الذكاء الاصطناعي كما هو مُفترض: أداةً لتقدم البشرية. إنّه يبقى داخل الحلقة، لكنّ الإنسان هو المسؤول والملوم والمُمول.
ولا يوجد مجالٌ آخر يتجلى فيه هذا الأمر بوضوح كما هو الحال في مجال الاتصالات. فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى التواصل البشري، لذا لن يُجرى تحليل اتصالاتٍ لصالحه فقط (مع أنه قادرٌ على القيام بذلك بنفسه، ولكن ما الفائدة؟)، بل سيُجرى دائماً لصالح العميل البشري.
ولا يزال هذا العميل، وبشكلٍ متزايد في قطاع الخدمات، يرغب في التفاعل مع مُقدّم خدمةٍ بشري. وطالما لم نغفل عن مركزية الإنسان، سنُبقي الاتصالات حيّةً كقطاع. وعندما يبقى الذكاء الاصطناعي في الحلقة البشرية، وليس العكس، ستبقى جميع سيناريوهات الاستيلاء النظرية مجرد خيال.
المؤلّففلوريان لازلو
فلوريان لازلو هو الرئيس التنفيذي لشركة OBSERVER، وهي شركة نمساوية مملوكة لعائلة رائدة في مجال الاستخبارات الإعلامية ورصد وتحليل وسائل الإعلام منذ عام 1896. وتُعدّ OBSERVERعضواً مؤسساً في المنظمة الدولية لشركات رصد وسائل الإعلام، Bureaux d‘Extraits de Presse (FIBEP).
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار