ما وراء الرسوم الجمركية: لماذا ستؤثر الاتصالات الاستراتيجية في نجاح التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور

696 ما وراء الرسوم الجمركية: لماذا ستؤثر الاتصالات الاستراتيجية في نجاح التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور

ستلغي ميركوسور في نهاية المطاف الرسوم الجمركية على الغالبية العظمى من السلع المستوردة من الاتحاد الأوروبي. بيد أنّ بلوغ السوق والنجاح فيه أمران مختلفان.

بقلم فابيو براندت (Fábio Brandt)

بدأت اتفاقية التجارة المؤقتة بين الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة لأمريكا الجنوبية (ميركوسور) تُؤتي ثمارها بالفعل. فمنذ بدء تطبيقها المؤقت في الأول من مايو/أيار ٢٠٢٦، انخفضت الرسوم الجمركية على صادرات السيارات الأوروبية ذات محركات الاحتراق الداخلي إلى ميركوسور من خمس وثلاثين بالمئة إلى سبعة عشر ونصف في المئة. وستلغي ميركوسور في نهاية المطاف الرسوم الجمركية على الغالبية العظمى من السلع المستوردة من الاتحاد الأوروبي. إلا أنّ بلوغ السوق والنجاح فيه أمران مختلفان. فالحفاظ على هذه المكاسب وتحويلها إلى علاقات تجارية مستدامة يتطلبان اتصالات استراتيجية وعلاقات عامة فعّالة.

وتتمتع الشركات الأوروبية الآن بإمكانية الوصول إلى سوق استهلاكية ضخمة تشهد طلباً قوياً على منتجاتها وخدماتها. ولتحقيق النجاح، عليها أن تفهم بيئة الأعمال في أمريكا الجنوبية بدقة، وأن تحدد ليس فقط الفرص التجارية، بل أيضاً الجهات المعنية التي تؤثر في نظرة المجتمع للشركات وفي السماح لها بالعمل. فغالباً ما يعتمد الوصول إلى أسواق أمريكا الجنوبية على العلاقات مع الجهات التنظيمية، وصناع السياسات، ووسائل الإعلام، والمجتمع ككل، فضلاً عن القدرة التنافسية التجارية. لذا، تتطلب الخطة التجارية القوية خطة اتصالاتٍ قوية مماثلة.

وبالنسبة للعديد من الشركات الأوروبية، تُعد البرازيل، أكبر أسواق ميركوسور بفارقٍ كبير، نقطة انطلاقٍ طبيعية.إذ تمثل أكثر من سبعين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للكتلة، وأكثر من مئتي مليون من مستهلكيها البالغ عددهم مئتين وسبعين مليون مستهلك، ونحو تسعين مليار يورو من السلع المتداولة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل غالبية التجارة بين الكتلتين.

التقارب الثقافي

يُوفر التقارب الثقافي مزايا تتجاوز الإحصاءات التجارية. فاللغة البرتغالية في البرازيل، وعلاقاتها الوطيدة بالبرتغال، إلى جانب وجود جالياتٍ كبيرة من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا وشرق أوروبا، تُتيح للشركات الأوروبية نقاطاً مرجعية ثقافية قيّمة عند بناء علاقاتها في السوق.

كما تمتد جاذبية البرازيل إلى بنيتها التحتية الرقمية. فقد أصبحت السوق الرئيسية لمراكز البيانات في أمريكا اللاتينية، ومحوراً للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة للمتخصصين في مجال الاتصالات، لأن الشركات الأوروبية التي تدخل السوق البرازيلية تعمل بشكلٍ متزايد ليس فقط في سوقٍ استهلاكيةٍ ضخمة، بل في بيئةٍ معلوماتية متطورة ومترابطة للغاية.

ويبدأ فهم السوق بإضفاء قيمةٍ مضافة على الشركات الراغبة في الاستفادة من فرص الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور. وتتمثل الخطوة الرئيسية التالية في مجال الاتصالات في فهم بيئة صنع القرار؛ ففي البرازيل، نادراً ما تُحسم القضايا التنظيمية من قِبل الخبراء التقنيين أو المؤسسات وحدها. بل تمر عبر الكونغرس، والهيئات التنظيمية، ومكتب المدعي العام، والمحاكم العليا، والصحافة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد تتغير بشكلٍ كبير خلال هذه العملية.

فهم آلية العمل

في ميركوسور، لا تُعدّ الاتصالات والشؤون العامة وظائف هامشية، بل هي جزءٌ لا يتجزأ من البنية التحتية اللازمة للعمل بنجاح. وثمة ثلاثة أمورٍ أساسية لفهم ذلك:

أولاً، يجب بناء العلاقات مع جهاتٍ حقيقية، لا مع مخططاتٍ انسيابية؛ ففهم من يتخذ القرارات، ومن يؤثر، ومن يملك حق النقض، لا يقل أهميةً عن فهم السوق نفسه.

ثانياً، يجب بناء سرديةٍ موثقة حول مساهمة الشركات في توفير فرص العمل، وسلاسل التوريد المحلية، ونقل التكنولوجيا، والمعايير البيئية والاجتماعية، قبل وقوع الأزمة الأولى، لا خلالها. إذ يجب أن تكون الشركات قادرةً على إثبات إسهام وجودها في المجتمعات التي تعمل فيها، بدلاً من محاولة بناء هذه الحجة بعد التشكيك في دوافعها أو ممارساتها.

ثالثاً، يجب الحفاظ على حضورٍ منتظم في النقاش العام، لأنّ المساحة التي لا تشغلها الشركة غالباً ما يشغلها آخرون، وربما بشروط لم تختارها الشركة.

قواعد متغيرة

ثمة سببٌ آخر يجعل التواصل الاستراتيجي ضرورةً لا غنى عنها: فالقواعد والبيئة السياسية المحيطة بالتجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور لا تزال في طور التطور. وقد أقرّ البرلمان الأوروبي في فبراير/شباط ٢٠٢٦، آلية حماية تسمح بتعليق الامتيازات الجمركية على الواردات الزراعية الحساسة مؤقتاً في حال تسبّب زيادة الواردات في ضررٍ جسيم للمنتجين الأوروبيين. كما تواصل المنظمات الزراعية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي حملاتها ضد الاتفاقية. وبالتالي، فإنّ الشركات الأوروبية العاملة في ميركوسور معرضة لنزاعٍ سياسي يدور في بروكسل، وليس في برازيليا فحسب.

وفي الوقت نفسه، سيبدأ تطبيق لائحة الاتحاد الأوروبي بشأن إزالة الغابات على الشركات الكبيرة والمتوسطة الحجم في ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٦، ما يستلزم تقديم بيانات الموقع الجغرافي وإجراءات العناية الواجبة للحوم البقر وفول الصويا والبن والأخشاب وغيرها من السلع التي تدخل السوق الأوروبية.

وبالنسبة للمشترين الأوروبيين، يحوّل هذا الأمر علاقات الموردين إلى مخاطر تتعلق بالسمعة؛ فقد تخضع أي ادعاءات تتعلق بالاستدامة، والتي تُطرح في ساو باولو، للاختبار من قبل صحفي أو منظمة غير حكومية أو جهة تنظيمية في برلين. أما الشركات التي تتعامل مع الامتثال كإجراءٍ قانونيٍ فحسب، فستكتفي بتوثيقه. بينما تكون الشركات التي تتعامل مع التواصل كجزءٍ لا يتجزأ من استراتيجياتها مستعدةً لشرحه والدفاع عنه أمام عملائها، والمشرعين الأوروبيين، والشركاء البرازيليين الذين قد ينظرون إلى متطلبات العناية الواجبة الأوروبية بعين الشك.

وهذا التمييز مهم. فالامتثال يُثبت التزام الشركة بالقواعد، بينما يُساعد التواصل أصحاب المصلحة على فهم سبب استحقاق سلوكها للثقة. والشركات التي تُدرك كلا البُعدين ستكون في وضعٍ أفضل لحماية ترخيصها بالعمل. أما التي لا تُدرك ذلك، فقد تجد نفسها مضطرةً للدفاع عنه مراراً وتكراراً.

وهكذا، يُمكن لاتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور خفض الرسوم الجمركية وفتح الأسواق، لكنها لا تُمكّن من بناء الثقة أو الشرعية أو ترخيص العمل؛ فهذه أمورٌ يجب بناؤها. لذلك، ينبغي للشركات الأوروبية التي تدخل ميركوسور أن تتعامل مع التواصل الاستراتيجي ليس فقط كدعمٍ للاستراتيجية التجارية، بل كجزءٍ لا يتجزأ منها.

المؤلّف:فابيو براندت

فابيو براندت عضو في فرع الذكاء الاصطناعي التابع للجمعية الدولية للعلاقات العامة (إيبرا/IPRA) ومدير الاتصالات الاستراتيجية في الجمعية البرازيلية للوكلاء الرقميين (Abradi). وهو حاصل على درجة الماجستير في العلاقات العامة والاتصالات المؤسسية من جامعة جورجتاون (Georgetown University)، ومؤسس شركة نوفو سيلو للاتصالات (Novo Selo Communications)، وهي وكالة مقرها برازيليا متخصصة في الاتصالات الاستراتيجية، والعلاقات الإعلامية، وإدارة الأزمات، والاستراتيجية الرقمية، والدعوة.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-696-beyond-tariffs-why-strategic-communications-will-shape-the-success-of-eu-mercosur-trade/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA:
اخر الاخبار

الاخبار

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org