موحّدٌ، لا متماثل: لماذا تحتاج الاتصالات العالمية إلى خبرةٍ محلية
694 موحّدٌ، لا متماثل: لماذا تحتاج الاتصالات العالمية إلى خبرةٍ محلية
ينبغي أن يكون هدفنا أن تُجسّد كل سوق القصة نفسها بطرقٍ تبدو أصيلةً للجمهور الذي تخدمه.
بقلم ميرا لاخاني باتيل (Meera Lakhani-Patel)
من قاد الاتصالات عبر عدة دول سيدرك هذا التحدي بلا شك. فالفرق العالمية تسعى إلى الاتساق، بينما تسعى الفرق المحلية إلى المرونة؛ الأولى تركّز على الحفاظ على سردٍ عالميٍ متماسك، والثانية تركّز على ضمان وصول هذا السرد إلى جمهوره المستهدف.
والاستجابة الطبيعية لذلك هي اعتماد رسائل مشتركة، ومواد حملات موحَّدة، وآليات حوكمة تحافظ على هذا الاتساق. غير أنّ التحدي الحقيقي يكمن في ضمان تمتع الفرق المحلية بالمرونة الكافية لتكييف الاتصالات مع الجمهور الذي تعرفه جيداً.
لكنّ الاتساق والتوحيد ليسا مترادفين. وقد ذكّرني بهذا منشورٌ حديث على لينكدإن لأوز ألاشي ((Oz Alashe، الحائز على وسام الإمبراطورية البريطانية، حيث كتب:
«الوحدة هي التكاتف رغم الاختلاف.
أما التوحيد فهو التشابه رغم الاختلاف.»
ومع أنّ أوز كان يتحدث عن القيادة وكيفية التعامل مع الاختلاف، فإنّ هذا التمييز يُجسّد تماماً معضلةً أساسية في الاتصالات العالمية: كيف نحقق الاتساق دون فرض التوحيد؟
لا ينبغي أبداً أن يكون هدفنا أن تتواصل جميع الأسواق بالطريقة ذاتها، بل ينبغي أن تسعى كل سوق إلى تقديم القصة ذاتها بأسلوبٍ يلامس جمهورها ويبدو أصيلاً بالنسبة إليه.
وهذا الأمر بالغ الأهمية اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى؛ فبالنسبة إلى المنظمات الدولية، بات تحقيق هذا التوازن أكثر صعوبة. فلكل سوقٍ بيئته الإعلامية وسياقه السياسي والثقافي الخاص، ومع ذلك يتوقع الجمهور أن يتعرّف على منظمةٍ واحدة متماسكة أينما وجدها.
وبصفتي قدت الاتصالات في أسواقٍ متعددة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، تعلّمتُ أنّ أقوى البرامج العالمية نادراً ما تكون تلك التي تتمتع بأعلى درجات التحكم، بل تلك التي تتميز بسرد واضح وثقة كبيرة في الخبرات المحلية.
قصة واحدة، جماهير مختلفة
من أهم الدروس التي تعلمتها أنّ القصة نفسها لا تحمل التأثير ذاته في كل مكان؛ فالسياق يحدد كيفية تفسير الناس لها.
في بداية مسيرتي المهنية، عملتُ على حملةٍ عالمية قائمةٍ على البحث، استكشفت فيها كيفية تعامل الشركات مع تحديات الأمن السيبراني. كانت البيانات مقنعة، وحققت الحملة نجاحاً في أوروبا، فافترضنا أنّ النهج نفسه سيلاقي صدىً في أماكن أخرى، لكنّ ذلك لم يحدث.
فقد أدرك زملاؤنا في الشرق الأوسط فوراً أنّ حملةً تركز على العوائق والتحديات التجارية ستلقى ردود فعلٍ مختلفة تماماً في أسواقهم؛ فبينما كان لكل سوق سياقه الخاص، كان الحوار التجاري الأوسع آنذاك يدور حول التفاؤل والاستثمار والطموح الاقتصادي. وكان التركيز على المشكلات في البداية يخاطر بالظهور بمظهرٍ سلبي لا داعي له، وغير متوافقٍ مع هذا المناخ. لم يتغير البحث، ولا الهدف الاستراتيجي، وإنما تغيّرت طريقة عرض القصة.
فبدلاً من التركيز على العوائق، أعدنا صياغة القصة حول فرص النمو والابتكار، فأصبحت أكثر ملاءمة دون المساس بالرؤية الأصلية.
وقد غيّرت تلك التجربة جذرياً نظرتي إلى الاتصالات العالمية؛ فالهدف ليس تكرار الكلمات ذاتها في كل سوق، بل إيصال الفكرة الاستراتيجية نفسها بطريقةٍ تبدو أصيلةً لكل جمهور.
وأرى المبدأ نفسه يتجلى في جميع أنحاء أوروبا اليوم؛ إذ تكون الاتصالات في أوج قوتها عندما تُعزَّز الرواية العالمية بأدلةٍ خاصةٍ بكلّ سوق، سواء أكانت أبحاثاً محلية، أم أمثلةً من العملاء، أم بياناتٍ توضح أهمية القضية في ذلك البلد.
كما تختلف البيئات الإعلامية اختلافاً كبيراً؛ ففي بعض القطاعات، قد يتعامل الصحفيون في الأسواق الأكثر رسوخاً مع تصريحات الشركات بتدقيقٍ أكبر، بينما قد تجذب القصص التي تسلّط الضوء على المخاطر أو التوترات، أو تكشف عن مشكلة، أو تتحدى الأفكار السائدة، اهتماماً أكبر من الإعلانات الإيجابية وحدها. ولا يقلّ التوقيت أهميةً عن ذلك؛ فقد تُستقبل القصة عينها بشكلٍ مختلفٍ تماماً اعتماداً على ما يهيمن بالفعل على أجندة الأخبار في ذلك السوق.
وهكذا، فإنّ فهم هذه الديناميكيات ودعم القصة بأدلةٍ محليةٍ قوية قد يُحدث فرقاً بين اكتساب الرواية العالمية زخماً أو تجاهلها.
مستشارون استراتيجيون، لا مجرد مترجمين
من واقع خبرتي، تحقق وظائف الاتصال العالمية أقصى درجات النجاح عندما تشارك الفرق الإقليمية في العمل منذ البداية؛ إذ لا تقتصر مهام هذه الفرق على مجرد ترجمة النصوص الإنجليزية إلى لغاتٍ أخرى أو توزيع البيانات الصحفية العالمية، بل تتجاوز ذلك لتشمل مناقشة الافتراضات، وتحديد الفرص، والمساعدة في صياغة حملاتٍ تلامس واقع أسواقها المحلية وتلقى صدىً حقيقياً فيها.
فهذه الفرق تدرك التفاصيل الدقيقة التي لا تتأتى إلا من خلال القرب المباشر من السوق: مثل القضايا التي تثير الجدل حالياً، والأدلة التي تضفي مصداقيةً على الرسائل، وجوانب السردية العالمية التي تتطلب تعديلاً لتصبح ملائمةً للسياق المحلي. وهذا المنظور يعزز الاستراتيجية ككل.
وتكتسب هذه الخبرة قيمةً أكبر في قطاع علوم الحياة؛ فأنظمة الرعاية الصحية تختلف من حيث التنظيم والتمويل وطبيعة النقاشات الدائرة حولها في مختلف أنحاء أوروبا، كما أنّ الحوارات المتعلقة بالصحة قد تنطوي على أبعادٍ شخصيةٍ وعاطفية بالغة الأهمية. لذا، يجب أن تعكس جهود الاتصال هذه الحساسيات، فضلاً عن القضايا التي تشكّل محور النقاش في السوق المعنية، سواءً تعلق الأمر بضغوط العمل التي تواجه هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، أم إصلاحات الرعاية الصحية، أم إتاحة الخدمات للمرضى، أم الأطر التنظيمية.
وعندما تُمنح الفرق الإقليمية الثقة لطرح هذا المنظور، تصبح الحملات أكثر ملاءمةً ومصداقية، وبالتالي أكثر فاعليةً وتأثيراً.
الاستقلالية والمواءمة
إنّ محاولة فرض مسار تواصلٍ موحَّد على جميع الأسواق غالباً ما ينتج عنها رسائل متسقة تقنياً ولكنها غير فعالة عملياً.
أما النهج الأمثل فيجمع بين المواءمة الاستراتيجية والاستقلالية؛ إذ توفر الفرق العالمية الرؤية الشاملة والأدلة والرسائل التي يجب أن تظل متسقة، بينما تتمتع الفرق المحلية بالمرونة اللازمة لتحديد كيفية تطبيق هذه الأفكار في أسواقها.
وهذا لا يعني فقدان السيطرة، بل يعني الثقة بالأشخاص الأدرى بأسواقهم.
والمفارقة أنّ هذا النهج غالباً ما يحقق اتساقاً أكبر من محاولة التحكم في كلّ التفاصيل من المركز؛ فعندما تفهم الفرق المحلية الاستراتيجية، وتُمنح الثقة لتطبيقها، تصبح هي المسؤولة عن الرؤية بدلاً من مجرد منفذة لها.
الوحدة أهم من التوحيد
مع تزايد تشتت الاتصالات عبر وسائل الإعلام التقليدية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والقنوات الخاصة، والبودكاست، والإجابات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، ستزداد أهمية الملاءمة المحلية.
فالجمهور يتوقع من المؤسسات أن تتحدث بصوتٍ واحد، لكنه يتوقع منها أيضاً فهم واقع أسواقها المحلية، وهذه التوقعات ليست متناقضة.
بل من الممكن تماماً أن تبدو المؤسسة وكأنها واحدة، مع اختلاف أسلوبها الموجه لكلّ جمهور؛ بل إنّ هذا هو بالضبط ما يجب أن تحققه الاتصالات العالمية الفعّالة.
ولعلّ هذا هو الفرق الحقيقي بين الوحدة والتوحيد؛ فالتوحيد يطلب من كلّ سوقٍ أن يقول الشيء نفسه تماماً، أما الوحدة فتطلب من كلّ سوقٍ أن يخدم الهدف نفسه.
ولن تكون المؤسسات التي تبني أقوى سمعةٍ عالمية هي تلك التي تصرّ على رسائل متطابقة، بل تلك التي توفر التوجيه الاستراتيجي، والمواءمة القوية، والثقة الكافية لفرق العمل لتقديم رسالتها بأسلوبٍ يلامس واقع كل سوق؛ لأنّ معيار النجاح لا يكمن في تشابه الرسائل بين جميع الأسواق، بل فيما إذا كان الجمهور، أينما كان في العالم، يتعرف على هويتك، وما تمثله، ولماذا قصتك مهمة، حتى لو سمعها تُروى بطرقٍ مختلفة.
المؤلّفةميرا لاخاني- باتيل
ميرا لاخاني- باتيل رائدة في مجال الاتصالات، تتمتع بخبرةٍ تزيد عن خمسة عشر عاماً في مساعدة شركات التكنولوجيا العالمية على بناء سمعةٍ طيبة في الأسواق الدولية. تشغل حالياً منصب مديرة الاتصالات في أوروبا لدى شركة Veeva Systems. والآراء الواردة هنا تعبر عن وجهة نظرها الشخصية.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار