رأس المال يرتحل، أمّا المصداقية فلا
692 رأس المال يرتحل، أمّا المصداقية فلا
تتدفّق أموال قياسية إلى أمريكا اللاتينية، لكن سمعة العلامة تُبنى سوقاً تلوَ أخرى، وحتى نماذج الذكاء الاصطناعي لا تكتفي بكلام العلامة التجارية.
بقلم ألاسدير تاونسند – Alasdair Townsend.
تحدّثتُ مؤخراً مع مسؤولة الاتصالات في شركة أوروبية كبرى لخدمات الدفع، وهي شركة تتمتّع بمكانة راسخة واسم معروف في موطنها الأصلي. أخبرتني باستغراب أنها خلال رحلتها الأولى إلى ساو باولو، لم تجد صحفياً واحداً سمع عن العلامة التجارية، بل إنّ أكثر من شخص ظنّ أنها شركة ناشئة حديثة العهد؛ فرغم أنّ الشركة تمارس نشاطها التجاري منذ أكثر من عقد، إلا أنّ أياً من ذلك — كما اتضح — لم يعبر الحدود ليصل إلى هناك.
قصتها هذه ليست استثناءً؛ بل هي القاعدة السائدة، وتشير إلى تحوّلٍ ينبغي أن يثير قلق عددٍ أكبر من مديري الاتصالات مقارنةً بالوضع الحالي. فبالنسبة للعلامات التجارية الدولية التي تدخل سوق أمريكا اللاتينية، يُعدّ دخول السوق وبناء السمعة تحدّيين مختلفين تماماً.
وفي ظلّ المتغيّرات الجيوسياسية، لا شكّ أنّ الأموال قد تدفّقت إلى المنطقة؛ ففي الربع الأول من عام ٢٠٢٦ وحده، جمعت الشركات الناشئة في أنحاء أمريكا اللاتينية ما يزيد قليلاً على مليار دولار، مع ارتفاعٍ في تمويل المراحل المتأخّرة بنسبةٍ تتجاوز مئة وخمسين بالمئة مقارنةً بالعام السابق. وكانت الجهات التي وقّعت تلك الشيكات هي الأسماء نفسها التي تتوقّع رؤيتها في سان فرانسيسكو أو فرانكفورت، مثل "أندريسن هورويتز" و"سيكويا" و"أليانز" وغيرها. لكنّ الرقم الأكثر لفتاً للانتباه هو رقمٌ آخر غير متوقّع.
فعلى مدار عام ٢٠٢٥، استقطبت المنطقة ككلّ استثماراتٍ قياسية بلغت أربعة مليارات ومئة مليون دولار، لكنّ ذلك تمّ عبر عدد صفقات أقلّ مما شهدته أيّ سنةٍ أخرى منذ عام ٢٠١٧. إذ يتركّز رأس المال الآن في مجموعةٍ أصغر من الشركات التي أثبتت بالفعل قدرتها على تحقيق زخمٍ وجدارةٍ حقيقية في السوق، بدلاً من توزيعه على حشدٍ كبيرٍ من الشركات التي لا تزال في مرحلة الآمال والوعود.
وهذا الرقم يحمل أهميةً بالغة لأنه يكشف عمّا تكافئه السوق حالياً؛ فعندما تبدأ أموال الاستثمار في دعم البرهان بدلاً من الوعود، فإنّ الجمهور المحلي لن يتأخّر في تبني التوجّه ذاته. وهذا يقودنا إلى حقيقةٍ غير مريحة مفادها أنّه يمكن لرأس المال أن يضمن للعلامة التجارية دخول سوق أمريكا اللاتينية، لكنه لا يستطيع شراء المصداقية أو الثقة المحلية.
المصداقية لا ترتحل
معظم الشركات الدولية التي تصل إلى المنطقة الآن ليست شركات ناشئة مكافحة تسعى لإثبات وجودها، بل هي كياناتٌ راسخة: عملاقٌ في مجال المدفوعات في موطنه، أو منصّةٌ للتكنولوجيا الصحية تمتلك خبرةً تمتدّ لعقدٍ من الزمان، أو علامةٌ تجارية في قطاع التنقّل تُعدّ اسماً مألوفاً في قارةٍ أخرى. إنها تصل — وهذا أمرٌ مفهوم — وهي تأمل أن تنتقل سمعتها الطيبة معها، لكنّ الواقع غالباً ما يكون مغايراً لذلك. فقد تكون الشركة رائدة عالمياً، ومع ذلك تظلّ غريبةً بمجرد عبورها الحدود.
والأسوأ من ذلك، أنها غالباً ما تصل وهي تردّد العبارات النمطية ذاتها التي يستخدمها الجميع؛ كحديثها عن (إتاحة الوصول للجميع)، أو أنها (صُمّمت خصيصاً للمنطقة)، أو أنها (موجودة هنا على المدى الطويل). وعندما يتشبّث الجميع بالكلمات نفسها، تفقد تلك الكلمات كثيراً من قيمتها ومعناها، فيرجع الجمهور إلى الحكم على العلامات التجارية بناءً على أفعالها الحقيقية على أرض الواقع.
ولنكن صادقين، فإنّ قطاعنا نفسه جزءٌ من المشكلة؛ إذ إنّ بيع فكرة "حملة عالمية مُكيَّفة محلياً" أسهل بكثير من العمل الشاقّ والبطيء — الذي يفتقر إلى البريق — لكسب الثقة في كل سوقٍ على حدة. غير أنّ الثقة في هذه المنطقة تُبنى مكاناً تلو الآخر، وباللغة المحلية، وعبر أصواتٍ محلية، ووفقاً لمعايير محلية؛ فهي لا تأتي جاهزةً ومعلّبة من المقرّ الرئيسي، ولا يمكن نقلها عبر الحدود لمجرّد تشابه الشعار. ولا تزال العلامات التجارية تتعثّر حين تُعامَل منطقةٌ تضمّ نحو عشرين دولة كسوقٍ واحدة، في حين أنّ ما يكسب الثقة في بلدٍ ما نادراً ما يصلح كنموذجٍ يُحتذى به في بلدٍ آخر؛ فالإسبانية المحكية في مكسيكو سيتي تختلف عن تلك المستخدمة في بوينس آيرس، والبرتغالية في ساو باولو تختلف عن نظيرتها في ريسيفي. باختصار، لا يمكنك إنزال سمعةٍ بالمظلّة؛ بل يجب اكتسابها في كل موقع، من أشخاصٍ لا يدينون لك بشيء.
كيف يبدو البرهان؟
تواصلت معنا مؤخراً شركة عالمية متخصّصة في التكنولوجيا الزراعية، طالبةً تغطيةً إعلامية في البرازيل لتقنية تحليل التربة التي طوّرتها. وبطبيعة الحال، أرادت الشركة أن يكون التركيز الرئيسي على هذه التقنية. لكننا لم نفعل ذلك. وبدلاً من ذلك، جمعنا بياناتٍ من مصادر خارجية حول المحاصيل، والمساحات المزروعة، وتكاليف المدخلات، وقمنا بوضع نموذجٍ يوضّح القيمة الحقيقية لهذه التقنية للزراعة البرازيلية. ثم فكّكنا هذا الرقم الرئيسي ولايةً بولاية، حتى يتمكّن المزارع أو المحرّر في ماتو غروسو من فهم تأثيرها على اقتصاد الزراعة في ماتو غروسو، وليس على مستوى (أمريكا اللاتينية) ككل، كما تواصلنا مع المزارعين المحليين للاستماع إلى تجاربهم. وفي بلدٍ لا توجد فيه صحيفةٌ وطنية، مكّننا ذلك من توليد عناوين رئيسية وإثارة فضولٍ حقيقيٍ تجاه هذه التقنية، منطقةً تلو الأخرى، بدلاً من الاكتفاء بخبرٍ تجاريٍ قصير من نوع "شركة تطلق جهاز استشعار".
قد لا يبدو الأمر جاذباً دائماً، لكن في النهاية، هذا هو جوهر الاتصالات القائمة على البرهان والوسائل المكتسبة الفعّالة. قصةٌ محلية مبنيّة على أدلّةٍ محلية، توضّحها الأرقام والأصوات التي يتعرّف عليها الجمهور على أنها أصواته. وهو يتطلّب مصداقيةً مكتسبة، وتحقّقاً من طرفٍ ثالث، ووسائل إعلامٍ يثق بها السوق ويقرؤها فعلاً (لا مجرّد الصحافة المتخصّصة المنعزلة)، وشراكاتٍ مع مؤسساتٍ تحمل أصلاً سلطةً ومكانة. كما يعني ذلك التواجد في الفعاليات وفي المحادثات التي تُبنى فيها السمعة هنا فعلياً. فالسمعة هنا تقوم على العلاقات أكثر من أيّ شيءٍ آخر، والعلاقة ليست شيئاً يستطيع المقرّ الرئيسي بناؤه نيابةً عنك.
حتى الآلات تسأل محلياً
هناك عاملٌ آخر يعيد تشكيل هذا كله بهدوء. فالمزيد من المشترين لم يعودوا يبحثون عن علامةٍ تجارية، بل يطرحون سؤالهم على ChatGPTأو Geminiأو Perplexity، ويثقون إلى حدٍّ كبير في الإجابة. وما يعود ليس بياناً مُصاغاً بعنايةٍ لتحديد الموقع، بل هو خلاصةٌ لما يقوله الآخرون عنك. فالنموذج لا يهمّه حقاً كيف تصف نفسك، بل يبلّغ كيف يصفك الآخرون.
وهذا الأمر أكثر تجذّراً في أمريكا اللاتينية مما في معظم الأماكن، لأنّ هذه الأدوات تجيب بالبرتغالية والإسبانية، مستندةً في ذلك إلى مصادر محلية. فقد تظهر علامةٌ تجارية تعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على اللغة الإنجليزية في غرفة أخبارٍ عالمية بشكلٍ غير واضح، أو حتى خاطئ، في إجابةٍ برازيلية أو مكسيكية. لم تكن السمعة ترتحل من قبل، وهي لا ترتحل إلى الآلات الآن. لكن الوجه الإيجابي حقيقي: لا يمكنك شراء طريقك إلى قمة إجابات الذكاء الاصطناعي. بل تكسبها من خلال برهانٍ محليٍّ حقيقي وحضورٍ ثابتٍ باللغة التي يستخدمها الناس فعلاً. وما زلنا في المراحل المبكّرة، لذا فإنّ العلامات التجارية التي تبذل هذا الجهد الآن ستُحدّد كيفية وصفها لسنوات. وإذا تركتَ ثغرةً، فسيملؤها النموذج نيابةً عنك، ونادراً ما يكون ذلك بلطف مكتبك الإعلامي.
الخلاصة
وصل رأس المال، والرياح السياسية تدفع المزيد منه نحو أسواقٍ كانت تُعتبر، حتى وقتٍ قريب، هامشية. وكان ذلك دائماً الجزء السهل، غير أنّ المنافسة لن تُحسم هناك.
لن يكون الفائزون في السنوات القليلة المقبلة هم العلامات التجارية التي تمتلك أضخم الموارد المالية أو أكثر القصص العالمية بريقاً، بل سيكونون أولئك القادرين على إثبات جدارتهم، سوقاً تلو الآخر، أمام الجماهير، والآن أمام الآلات التي تعلّمت أن تتحقق من صحة الادعاءات. أما بالنسبة لنا نحن الذين نمتهن هذا العمل، فإنّ ذلك لا يمثّل تهديداً. بل قد يكون أكثر ما تلقيناه تحدياً منذ سنوات.
المؤلّفألاسدير تاونسند
ألاسدير تاونسند هو المؤسس والشريك الإداري في شركة شيرلوك للاتصالات (Sherlock Communications)، وهي شركة استشارات في العلاقات العامة والاتصالات تساعد العلامات التجارية العالمية على التواصل مع جماهير أمريكا اللاتينية.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
https://www.ipra.org/news/itle/itl-692-capital-travels-credibility-doesnt/
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار