الواقعي في مواجهة المتمردين: التدقيق الصيفي لوادز في العلاقات العامة يلتقي ببيان "ماذا لو"
693 الواقعي في مواجهة المتمردين: التدقيق الصيفي لوادز في العلاقات العامة يلتقي ببيان "ماذا لو"
دقّ ناقوس الخطر، فلتبدأ المنافسة! ما مدى صمود موقفين مختلفين في مجال العلاقات العامة حين يتواجهان وجهاً لوجه؟
بقلم توماس ستوكل (Thomas Stoeckle)
يبدو أنّ العلاقات العامة تمرّ بأزمة هويةٍ جديدة، ولعلّ خير مثالٍ على ذلك التقرير الصيفي السنوي لشركة وادز (Wadds Inc.) لستيفن وادينجتون (Stephen Waddington)، وهو تقييمٌ تجريبيٌ صارم لقطاعٍ يكافح جاهداً للارتقاء إلى مستوى إمكاناته. ثم قارنه ببيان "ماذا لو" الذي كتبته أنا وآنا عدي، والذي يقدّم منظوراً فلسفياً ميتامودرنياً (أي متجاوزاً لما بعد الحداثة) يشكّك في مناطق الراحة الراسخة في هذا القطاع ويتحدّاها.
فبينما يجسّد تقرير وادز الوجه البراغماتيّ الذي يشير إلى فوضى البيت المؤسسيّ، يتساءل متمردو "ماذا لو" عن سبب استمرارنا في العيش داخل بيتٍ بُني على افتراضاتٍ واهية. وعندما نجمع هذين الموقفين معاً، لا يقتصر الأمر على حوارٍ عابر، بل يتحوّل إلى مبارزةٍ حقيقية.
الجولة الأولى: مسرحية القياس في مواجهة وهم "محرّك النمو"
يستهلّ تقرير وادينجتون المدعوم ببحوثٍ معمّقة بإحصاءةٍ لافتة: الأصول غير الملموسة، كالثقة والسمعة، تشكّل الآن ٩٢٪ من القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز ٥٠٠. وهذا ما يجعل السمعة فئة أصولٍ تُقدَّر قيمتها بتريليونات الدولارات. وبناءً على هذه البيانات، يُعرّف ٤٣٪ من قادة الشؤون المؤسسية أنفسهم بثقةٍ بأنهم "محرّكو نمو"، وفقاً لتقرير ديلويت "الطريق إلى ٢٠٣٠".
غير أنّ هذا يتناقض تناقضاً صارخاً مع الخلاصة اللاذعة للتقرير الصيفي السنوي: إذ يقرّ ٤٥٪ من الممارسين بأنهم لا يملكون إلا فكرةً ضئيلة أو معدومة عن كيفية ربط الاتصالات بالنتائج المالية. والأسوأ من ذلك أنّ ٢٦٪ فقط يستخدمون مؤشراتٍ اقتصادية فعلياً لقياس النجاح، مفضّلين مقاييس سطحية ومريحة مثل الوصول والانطباع العام، وهي ما يسمّيها القطاع "مقاييس الغرور".
وهذا تحديداً ما يندّد به الرفض الثالث في بيان "ماذا لو": أنّ "المقعد على الطاولة يبرّر المسرح". فعلى مدى عقودٍ طويلة، تعاملت العلاقات العامة مع القياس لا كمساءلةٍ حقيقية، بل كعرضٍ مسرحيّ يستهدف استرضاء العملاء وتأمين الميزانيات.
وفي حين يعرب وادينجتون عن قلقه إزاء تراجع تمثيل الشؤون المؤسسية في اللجان التنفيذية من ٧٣٪ إلى ٦٤٪، يرى المتمردون في هذا التراجع فرصةً سانحة: فلعلّنا الآن نستطيع التوقف عن هذا الأداء. فلوحة قيادةٍ تكتظّ بالأضواء الخضراء في وقتٍ يخضع فيه نموذج الأعمال لحصارٍ مجتمعيّ ليست سوى "خطأٍ فئوي"، أي استخدام أدواتٍ مروّضة (كمؤشرات الأداء الرئيسية وأهداف SMART) لمعالجة مشكلاتٍ شرسة (كالتحوّل المناخي أو انهيارات الثقة النظامية). وقد تناولنا هذا الموضوع بمزيدٍ من التفصيل في إحدى رسائلنا على منصة Substack Dispatches.
وحتى حين يسلّط التقرير الضوء على مبادئ التحسين التوليدي لمحركات البحث (GEO) الجديدة اللامعة التي أطلقتها AMECفي أيار/مايو، فإنه يأتي بتحفّظٍ مفاده أنّ اعتبار الظهور في الذكاء الاصطناعي هدفاً بحدّ ذاته ليس إلا بناءً لـ"مقياس AVEجديد (مكافئ القيمة الإعلانية)"، أي مقياس غرورٍ يحاول حساب قيمة العلاقات العامة بمصطلحاتٍ إعلانية. ويوافق المتمردون على هذا الرأي، مشيرين إلى أنّ إحصاء الاستشهادات بالذكاء الاصطناعي ليس سوى مزيدٍ من المسرح. فالمساءلة الحقيقية تقتضي إنصاتاً مجتمعياً عميقاً ومشاركةً صادقة، لا لوحة قيادةٍ أفضل.
الجولة الثانية: الذكاء الاصطناعي التوليدي — حمى الذهب في GEO (التحسين التوليدي لمحركات البحث) مقابل التعصب التقني
وهنا نصل إلى الجانب التقني. حيث يسلّط تقرير وادز الضوء على ميزةٍ هيكلية للعلاقات العامة في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يقود الإعلام المكتسب نحو ٨٤٪ من استشهادات محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي. تكاد تسمع مديري الوكالات وهم يفركون أيديهم فرحاً: لقد وُلدت حمى الذهب الجديدة! فأخيراً بات بوسع العلاقات العامة أن تهزم تحسين محركات البحث (SEO) والإعلان في عقر دارهما.
غير أنّ الصورة تبدو مختلفة تماماً من منظور "ماذا لو". فالرفض الخامس في البيان يرفض فكرة "أنّ الكفاءة غايةٌ في حدّ ذاتها"، ويحذّر من "التشوفينية التقنية" (كما وردت عند ميريديث بروسارد في كتابها الصادر عام ٢٠١٨، الذكاء غير الاصطناعي: كيف تُسيء الحواسيب فهم العالم)، أي الاعتقاد الأعمى بأنّ الحلّ التقني هو الأفضل دائماً.
نعم، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج البيانات الصحفية بسرعة البرق. لكن النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) ليست في نهاية المطاف سوى "ببغاواتٍ عشوائية"، تتفوّه بلغةٍ فصيحة دون أيّ فهمٍ حقيقي. وخير مثالٍ على ذلك (ورد في رسالةٍ أخرى من رسائل "ماذا لو") شركة كلارنا، التي استبدلت ٧٠٠ موظفٍ في خدمة العملاء بالذكاء الاصطناعي عام ٢٠٢٣، فعانت من ردّ فعلٍ غاضب هائل بسبب انعدام التعاطف، واضطرّت إلى إعادة توظيف البشر عام ٢٠٢٥ للتعامل مع التعقيد والحفاظ على الثقة.
وتدعم بيانات تقرير وادز هذا التشكيك: فـ٢٤٪ فقط من وظائف الشؤون المؤسسية لديها استراتيجية رسمية للذكاء الاصطناعي، وبدأ الممارسون يدركون مخاطر الحوكمة الجسيمة، مثل الاتصال المُحاكى (إذ إنّ ٦٠٪ من حركة الويب مولّدة آلياً) والانحراف المعرفي (التآكل التدريجي للتفكير النقدي البشري بسبب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي).
والتوتر هنا ذو دلالةٍ بالغة. فبينما يعرب تقرير وادز عن حماسه للميزة الهيكلية التكتيكية في GEO (المبادئ التي تقودها AMECلتوجيه الاكتشاف المدعوم بالذكاء الاصطناعي)، يخشى المتمردون من أننا بملاحقتنا خوارزميات GEOنعيد مرةً أخرى جعل "المؤسسة هي البطل" (وهو الرفض السادس في بياننا). وبدلاً من التلاعب بالذكاء الاصطناعي، ينبغي لنا أن نبني قدرة الاتصال البشرية التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن محاكاتها. وفي سياق هذه النقطة، نذهب أبعد من ذلك بالتنبيه إلى "فخّ التملّق في الذكاء الاصطناعي": فالتزلّف ليس ميزة، ولن يرقى بمجالنا.
الجولة الثالثة: "التراجع عن الغاية" وجبن "الصمت الاستراتيجي"
ثمّ هناك ما يسمّيه تقرير وادز "التراجع عن الغاية". ففي عام ٢٠٢٣، كان ٩٠٪ من الممارسين يعتقدون أنّ على الشركات أن تتخذ مواقف في القضايا الاجتماعية؛ وبحلول عام ٢٠٢٦، ولأسبابٍ نعرفها جميعاً، انهار ذلك الرقم إلى ٥٥٪. وفي ظلّ هذه البيئة، يدعو ٤١٪ من الممارسين إلى "الصمت الاستراتيجي".
ويُبدي وادينجتون قلقه بأدب، مشيراً إلى أنه بينما قد يكون الصمت تكتيكياً، فإنّ "التجنّب يتزيّن بثوب الحكمة". وبترجمة ذلك من لغة العلاقات العامة: إنّ قادة الشركات يقلقون من التداعيات التجارية لمعارك الحروب الثقافية، ويتظاهرون بأنّ صمتهم "استراتيجي". ويكشف بيان "ماذا لو" عن هذا بوصفه توتراً جوهرياً في ممارسة العلاقات العامة: "التفويض — يدفع ثمنه واحد، ويُسأل عنه الجميع". فلطالما حمل ممارسو العلاقات العامة ولاءاتٍ مزدوجة متضاربة تجاه أصحاب عملهم والحوار العام.
و"التراجع عن الغاية" هو ما يحدث حين ينهرّ ذلك التوتر لأنه أصبح ساخناً إلى حدٍ لا يُحتمل. فبالانكفاء إلى الصمت، تتخلى الشؤون المؤسسية عن دورها في صياغة السرديات الاستراتيجية حول تحدياتٍ "بالغة الشراسة" مثل الاحترار العالمي (الناجم في معظمه عن تغيّر المناخ). ويجادل بيان "ماذا لو" بأنّ المسؤولية لا يمكن تفويضها؛ فالانكفاء إلى قائمة امتثالٍ آمنة أو إلى "صمتٍ استراتيجي" ليس سوى وسيلةٍ أخرى للتظاهر بإمكانية تدجين تحدٍ عصيّ على الحل. أنت مدفوع الأجر من جهةٍ واحدة، لكنك لا تزال مسؤولاً أمام الجميع. فتحمّل مسؤوليتك.
الجولة الرابعة: سلّم الحياة المهنية يحترق
وأخيراً، أزمة المواهب. يلاحظ تقرير وادز فجوةً حادة في القدرات، وهي فجوةٌ ذاتية السبب. فحين يؤتمت الذكاء الاصطناعي مهام المبتدئين من مراقبةٍ وصياغةٍ وبحثٍ أساسي، يفقد السلّم الوظيفي درجاته الدنيا. ويغدو توظيف المبتدئين فجأةً أمراً سيّئاً في بيان الأرباح والخسائر، لأنّ ساعاتهم القابلة للفوترة قد اختطفتها الخوارزميات. لكن كيف تبني حكماً رفيع المستوى عندما تؤدي المهام التي تُعلّمك ذلك الحكمَ آلةٌ لا روح فيها؟
ويشير بيان "ماذا لو" إلى هذا بوصفه حلقة التغذية الراجعة المطلقة لتوتره الخامس ("المخاطبة"): فنحن نعيش داخل البيئات الاتصالية التي نبنيها بأيدينا. وإذا أتمتنا نقاط الدخول إلى مهنتنا سعياً وراء مكاسب هامشية سريعة، فإننا بذلك نُقوّض أسس مستقبلنا.
الخاتمة: خلاصة المواجهة
إذاً، ما هي نتيجة هذه الجولات؟
يقدّم تقرير وادز تشخيصاً مباشراً قائماً على الأدلة: نحن قطاع يتحكم في أصل سمعةٍ تبلغ قيمته تريليونات الدولارات، لكنه أجوف هيكلياً، ويعاني نقصاً حاداً في المواهب، ويهرب خائفاً من التعقيد الاجتماعي.
ويقدّم بيان "ماذا لو" المرآة: فهو يُظهر أنّ هذه الإخفاقات ليست سوى النتيجة الطبيعية لأرثوذكسياتنا الخاصة. فإن أردنا ذلك المقعد على الطاولة، علينا أن نتوقف عن أداء "مسرح القياس". وإن أردنا النجاة من الذكاء الاصطناعي، علينا أن نتعامل معه كـ"رفيق، لا كعرّاف". وإن أردنا أن نكون "محرّكات نمو"، علينا أن نتوقف عن التظاهر بأننا قادرون على البقاء في صمتٍ استراتيجي والعالم يحترق.
وفي نهاية المطاف، يحتاج كلٌّ من المنظورين إلى الآخر. فبدون البيانات الصلبة، يبقى "ماذا لو" مجرد فلسفة. وبدون الجرأة الفلسفية لـ"ماذا لو"، تظل بيانات تقرير وادز مجرد تشريحٍ لجثة. إنّ مستقبل العلاقات العامة ملكٌ لأولئك القادرين على احتواء التوتر: الواقعية لمواجهة البيانات، والجرأة الميتامودرنية — أي الجرأة على تجاوز المسلمات — لطرح السؤال: ماذا لو؟
المؤلّفتوماس ستوِكل
الدكتور توماس ستوِكل شخصية هجينة تجمع بين عالم الأعمال والأوساط الأكاديمية، ويستكشف تطور العلاقات العامة والتواصل في عصرنا الحالي. وهو شريك مؤسس (مع البروفيسورة آنا عدي "Ana Adi") لشركة "وات إف أدفايزوري" (www.whatifadvisory.net، وكذلك www.whatifdispatch.substack.com)، حيث تُدمج الأبحاث الأكاديمية والرؤى العملية وتُطبَق على تحديات الأعمال المعاصرة المتعلقة بمجال التواصل. وهو محاضر في أكاديمية العلاقات العامة وعضو في لجنة القياس في معهد العلاقات العامة.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار