الجمهور يسعى إلى التواصل: والبشر ما زالوا يملكون مستقبل هذا التواصل

الجمهور يسعى إلى التواصل: والبشر ما زالوا يملكون مستقبل هذا التواصل

الآلات تكتب، وتحلل، وتتنبأ بدقةٍ نسبية. أما البشر، هم من يضيفون بُعداً آخر

بقلم أحمد عيتاني Ahmad Itani

كيف يبدو المعنى في عالمٍ تتزايد فيه سيطرة الآلات على حواراتنا؟ وهل تستطيع الحواسيب أن تفهم الوعي؟

يبقى فيلم "هي" للمخرج سبايك جونز Spike Jonzeتحفةً سينمائيةً حديثة، يُستشهد به كثيراً عند الحديث عن التفاعل مع نماذج اللغة الضخمة، وذلك لسببٍ وجيه. فالمشاعر التي يختبرها خواكين فينيكس JoaquinPhoenix تجاه نظام التشغيل تنبع من شيءٍ أعمق من مجرد التكنولوجيا، إنها تتعلق بما هو إنساني. فصوت سكارليت جوهانسون ScarlettJohanssonيحمل في طياته التأمل، والإيقاع، والتردد، والدفء، وبعض العيوب التي تجعله (ونحن كمشاهدين) ننسى طبيعته الاصطناعية.

ثمة رقمٌ يبقى عالقاً في أذهان كلّ من يُقيّم نتاج الذكاء الاصطناعي: ٥٢% من القراء والمستهلكين الذين يُدركون أنّ النص مكتوبٌ مباشرةً بواسطة الحاسوب سيُحوّلون انتباههم عنه. هذه المعلومة من تقرير بايندر مهمة، خاصةً في المجالات التي تهدف إلى استحضار المشاعر. فمن الطبيعي أن يُنتج العالم محتوىً بلا حدود، لكن ما يبحث عنه الجمهور باستمرار هو التواصل.

الآلات تكتب، وتُحلل، وتتنبأ بدقةٍ نسبية.لكنّ البشر يُضيفون بُعداً آخر. فنحن نخلق المعنى. والذكاء الاصطناعي يستطيع رصد المشاعر، بينما نستطيع نحن استشعار الصدق. يُدرك المتواصل البارع ما تغفله البيانات، أي الفرق بين الموافقة المهذبة والتأييد الحقيقي، أو متى تتناسب الرسالة مع السياق المقصود ومتى تتطلب نهجاً مختلفاً بحسب الحضور. هذا المزيج من التعاطف والفكر والأخلاق هو ما أُسميه الخوارزمية البشرية، وهي الطريقة التي تتحول بها المعلومات إلى تأثيرٍ فعّال.

خيارات دقيقة

الخبر السار هو أنّ العديد من خبراء التواصل يستجيبون لهذا التوجه، ليس فقط بتصريحاتٍ عامة حول "الأصالة"، بل نشهد خياراتٍ دقيقة تُعيد الناس إلى صلب الموضوع.

من الأمثلة على ذلك، توسع العلامات التجارية إلى منصاتٍ تبدو فيها الحوارات أكثر طبيعية. حيث يشير تقرير Sprout Socialلعام ٢٠٢٥ حول أبرز استراتيجيات التواصل الاجتماعي إلى ظهور الشركات في قنواتٍ تفاعلية، بما في ذلك إدارة صفحاتها الفرعية على Redditواستضافة جلسات أسئلةٍ وأجوبة مع المديرين التنفيذيين والموظفين. وهناك نهجٌ آخر يتمثل في المحتوى الذي يكشف كواليس العمل، بدءاً من الأشخاص الذين يقفون وراء المنتج وصولاً إلى العمليات اليومية. الهدف بسيط؛ يضفي هذا النهج حيويةً على الرسائل، ويبني الثقة لأنه يبدو إنسانياً.

كما تظهر هذه الغريزة نفسها خارج نطاق التسويق للعلامات التجارية أيضاً. ففي عصرٍ يُمكن فيه إنتاج المحتوى على نطاقٍ واسع، تزداد قيمة المحتوى الذي يبدو وكأنه من تأليفٍ شخصي، ومُعاش، ومحدد.

أما في دبي، مدينتنا، يتجلى هذا التحول حتى في القطاع العام، حيث يتبنى نهجاً مختلفاً تماماً عن الطريقة التي تُعرض بها المدن عموماً حول العالم. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك منصة "إرث دبي"، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، في فبراير ٢٠٢٥. حيث تدعو المنصة المواطنين والمقيمين إلى تسجيل قصصهم الشخصية وذكرياتهم ولحظاتهم الفارقة التي تعكس الحياة في المدينة عبر مراحل تطورها المختلفة، بهدف إنشاء أرشيفٍ رقميٍ شامل متاحٍ للباحثين والجمهور.

طبقة ذكاءٍ اصطناعي بقيادةٍ بشرية

أحياناً، قد يبدو دور الإنسان غير بديهي. ففي إحدى الحملات التي دعمناها لشركة السيارات العربية "أربيان اوتوموبايل" بمناسبة إطلاق سيارة نيسان كيكس، برز الذكاء الاصطناعي بقوةٍ منذ البداية من خلال مجموعةٍ من الشخصيات الافتراضية التي أنشأها الذكاء الاصطناعي. قدمت هذه الشخصيات برنامجاً على غرار البودكاست، وساعدت في تعريف جيل الألفية بمسابقة "كيكس ستارترز"، وشجعت طلاب الجامعات على المشاركة للحصول على فرصةٍ للفوز بمنحةٍ دراسية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. يكمن سر نجاح هذه الحملة في أنّ طبقة الذكاء الاصطناعي كانت لا تزال بقيادةٍ بشرية. فقد صُممت الشخصيات بعناية، وكُتبت نصوص البودكاست من قِبل أشخاص، مع مراعاة الفكاهة الحقيقية، والسياق الثقافي، والأسلوب الذي يتعرف عليه الجمهور الشاب فوراً.

في الوقت الراهن، يبقى الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، ومُضخِّماً للأهداف. ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان سيصل يوماً ما إلى مستوى الوعي أو الانتشار الكامل، كما يتوقع إيلون ماسك وغيره. لكن من الواضح أنّ التكنولوجيا تميل إلى تضخيم غرائز من يستخدمونها بحكمةٍ وإدراك. عند استخدامها بشكلٍ صحيح، يمكن أن تُحسّن الوضوح وتُعزز التفكير المنطقي. أما عند استخدامها بإهمال، ستُفقد الصوت نبرته وتجعل كلّ شيءٍ يبدو متشابهاً.

لهذا السبب، تُعدّ المصداقية المعيار الأساسي للتواصل الحديث. حيث يمكن شراء الظهور، لكنّ الثقة يجب أن تُكتسب. كما يرغب الناس في الشعور بأنّ هناك شخصاً وراء الرسالة صادقاً وملتزماً بها. وفي الوقت نفسه، تتغير التوقعات بسرعة. فالجمهور نفسه الذي ينفر من المحتوى المكتوب بواسطة الحاسوب، سيظل يتقبل الذكاء الاصطناعي عندما يُقدّم شيئاً موثوقاً ومفيداً. هذه المفارقة تُحاكي تجاربنا اليومية. فلا يزال الكثيرون يترددون عند استخدام أجهزة الدفع الذاتي، مفضلين ضمان التواصل البشري.

يُعيد التشغيل الآلي تشكيل طريقة عيشنا وتعبيرنا عن أنفسنا. فالقيمة لا تكمن في ما إذا كانت هذه الآلات تمتلك "روحاً" بقدر ما تكمن فيما تكشفه عن أنفسنا. نحن نبني أدواتٍ لتبسيط التعقيد وتوسيع قدراتنا. والتحدي الآن هو التوسع، بالإضافة إلى الحفاظ على الإبداع في حدود قدرات الإنسان، وجعل التكنولوجيا في خدمة العاطفة والفهم، لا في خدمة الكفاءة لذاتها.الابتكار الحقيقي لا يقتصر على تسريع الأمور فحسب، بل يجعلها أكثر وضوحاً.

التواصل، في أرقى صوره، هو تعاطفٌ مُقنّعٌ باستراتيجية. إنه الجسر الذي يربط بين المعلومات والحدس، والدقة والغاية. وبصفتنا شركة استشاراتٍ تواصلية قائمة على الذكاء، فنحن على يقينٍ بأنّ أذكى نظام يبقى هو الروح الإنسانية: فضولية، وأخلاقية، ومُدركة للمعنى.

المؤلّفأحمد عيتاني

أحمد عيتاني، الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة "سيسرو وبرناي"، وهي شركة استشارات في مجال الاتصال.

البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف

https://www.ipra.org/news/itle/itl-667-audiences-seek-connection-humans-still-own-the-future-of-communication/

ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد

تحذير واجب.

لا يحق نشر أي جزء من منشورات ميديا & PR، أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، سواء إلكترونياً أو ميكانيكياً أو خلاف ذلك دون الاشارة الى المصدر، تحت طائلة المساءلة القانونية

يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:

info@ipra-ar.org

Follow IPRA

Follow IPRA:

اتصل بنا

Mobile1 : +961-70043459
Mobile2 : +963-116122067
Fax :+963-0116117020
Email :ingo@ipra-ar.org