بطاقة بريدية من أستراليا: لماذا لا يزال التنوع يمثل مشكلةً في مهنة العلاقات العامة في أستراليا
بطاقة بريدية من أستراليا: لماذا لا يزال التنوع يمثل مشكلةً في مهنة العلاقات العامة في أستراليا
يجب إعادة تصور العلاقات العامة كمساحةٍ حيوية للمشاركة المدنية والنقد الاجتماعي والشمول الثقافي.
بقلم جيفري نقفيJeffrey Naqvi
قبل سنواتٍ عديدة، كنتُ أكتب سيناريوهاتٍ وقصصاً لبرامج تلفزيونية. عندما كنا نُضمّن شخصياتٍ من غير البيض (أو من أصولٍ عرقية، كما نُشير إلى أنفسنا غالباً)، كانت العديد من غرف الكتابة تُعاني في ابتكار حبكاتٍ قصصية لا تقع في فخّ الصور النمطية: زيجاتٍ مُدبّرة غير مرغوبٍ فيها؛ تعاويذَ سحرية لإيذاء منافسٍ في الحب؛ أو الاحتيال في الحصول على إعاناتٍ اجتماعية.
لكن على السبورة البيضاء في إحدى غرف الكتابة، كانت هناك صورةٌ لديف ألاهان Dev Alahan، الشخصية الخيالية من المسلسل التلفزيوني البريطاني الشهير "شارع التتويج". كان الهدف في تلك الغرفة هو الكتابة عن الشخصيات من أصولٍ عرقية كما فعل كتّاب "شارع التتويج" مع ديف - لا من منظور عرقه. لقد كان بطلاً رومانسياً لسنواتٍ عديدة، ورجل أعمال، وموضع ثقة، وعرضةً للعيوب البشرية كأي شخصيةٍ أخرى. لم يكن أصله العرقي ذا أهميةٍ تُذكر في سياق عمله.
يجب على العلاقات العامة في أستراليا معالجةَ مشاكلِ التنوع لديها من خلال منظور ديف. هل يُمكننا أن نُصبح أكثر تنوعاً دون التباهي بالتنوع؟
على الرغم من التركيز المتزايد على التواصل متعدد الثقافات والتنوع خلال العقدين الماضيين، بالإضافة إلى مبادرات المساواة والشمول في المجالات الأكاديمية والمهنية، لا يزال قطاع العلاقات العامة الأسترالي يهيمن عليه البيض بشكلٍ غير متناسب. لماذا فشلت الأسس الأكاديمية للعلاقات العامة، والمؤسسات التي تدعمها، في تفكيك الإقصاءات الراسخة، بل وساهمت في استمرار تهميش المهنيين غير البيض في هذا المجال؟ لماذا ظل قطاع العلاقات العامة في أستراليا، على الرغم من عقودٍ من النمو والنضج المؤسسي، متجانساً ثقافياً إلى هذا الحد؟
للإجابة على هذه الأسئلة، يجب أن ننظر إلى المشكلة ليس فقط من منظور القطاع، بل أيضاً من منظور التطور المعرفي والمؤسسي للمجال نفسه - جذوره التاريخية، وإطاره التأديبي، ومساراته التعليمية. عند القيام بذلك، يتضح كيف تمّ تطبيع هيمنة البيض والحفاظ عليها.
أصول ما بعد الحرب
بدأت مهنة العلاقات العامة في أستراليا في نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد تدفق عددٌ كبير من موظفي الحكومة من المجهود الحربي، واحتاجوا إلى توظيف مهاراتهم في التواصل لخدمة الشركات بدلاً من خدمة وطنهم. وهكذا، نشأت مهنة العلاقات العامة ونظمت نفسها بسرعةٍ نسبية، حيث تأسس معهد العلاقات العامة الأسترالي عام ١٩٤٩ كهيئةٍ تمثيلية للقطاع. وكان قانون تقييد الهجرة لعام ١٩٠١ - الذي تُعرف مبادئه شعبياً باسم "سياسة أستراليا البيضاء" - لا يزال ساري المفعول، ولم يُلغَ إلا عام ١٩٧٣. ولذلك، كانت السنوات الثلاثون الأولى من مهنة العلاقات العامة حكراً على البيض بحكم قوانين البلاد.
في ثمانينيات القرن العشرين، دخلت العلاقات العامة المجال الأكاديمي في وقتٍ كان يُنظر فيه إلى هذا المجال بشكلٍ أساسي من خلال منظوراتٍ إدارية واستراتيجية ووظيفية. وغالباً ما كانت هذه الأطر المبكرة، التي ركزت على شرعية المنظمات وإدارة السمعة، تتجاهل قضايا السلطة والتمثيل والإقصاء الثقافي.نتيجةً لذلك، كانت الهوية المهنية التي رُوِّج لها من خلال البرامج الأكاديمية والشراكات الصناعية، في الغالب، بيضاء، ومن الطبقة المتوسطة، ومتحدثة باللغة الإنجليزية. أصبحت الدراسة الجامعية مجانية منذ عام ١٩٧٤، ولكن ثقافياً، كانت تُعتبر مساراً لفئةٍ قليلة لا لفئةٍ واسعة.
انتهى نموذج الجامعة المجانية عام ١٩٨٩، في الوقت الذي كان فيه الجيل الأول من الأستراليين القادمين من آسيا مستعدين للالتحاق بالجامعة. زادت تكلفة الدراسة الجامعية من التحفظات القائمة حول بعض مجالات التعليم العالي. وبصفتي أسترالياً من الجيل الأول، أتذكر أنّ والدي أخبرني أنّ الطب هو المجال الوحيد المقبول، أما القانون فهو خيارٌ صعب. وإلا، فعليّ أن أبحث عن بدء مشروعٍ تجاري في مجال الاستيراد والتصدير وافتتاح متجر. جعلت تكلفة الدراسة الجامعية منها استثماراً كبيراً للعائلات من أصولٍ عرقيةٍ مختلفة، حيث كان الكثير منهم يخطون خطواتهم الأولى على السلّم الاقتصادي، ويستقلون عن دعم الحكومة الذي كان يُساعد العديد من الوافدين الجدد.
نقص رأس المال الثقافي
نادراً ما تُقدَّم العلاقات العامة كمجالٍ مُجدٍ أو جذاب للطلاب من غير البيض من قِبل مؤسسات التعليم العالي. وغالباً ما يُنظر إليها على أنها تخصصٌ "سطحي"، لكنها للأسف تفتقر إلى رأس المال الثقافي والأمان الاقتصادي المرتبطين عادةً بالمجالات التي تُوليها الأسر والمجتمعات العرقية أولوية عند القيام باستثماراتٍ بين الأجيال في التعليم. بالنسبة للطلاب الذين قدمت عائلاتهم تضحياتٍ كبيرة من أجل متابعة التعليم العالي، تبدو العلاقات العامة مساراً محفوفاً بالمخاطر وغامضاً، وقد لا يُقدّم الكثير مقابل استثمارٍ شخصيٍ وماليٍ كبير.
أما بالنسبة لأولئك الذين كسروا القوالب النمطية، كانت الجامعات لا تزال تُكيّف نفسها لاستقبال شريحةٍ طلابية أكثر تنوعاً. لنكن صريحين، على الأقل في أستراليا، لا يزال الكثير منها كذلك. حيث لا تزال أساليب التقييم ومناهج التدريس والتعلم تُهيّئ الطلاب من ذوي الدخل المتوسط إلى المرتفع للتعليم العالي، على نحوٍ يفوق ما تفعله للطلاب من ذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني.
من جهةٍ أخرى، تشير الأبحاث إلى أنّ الطلاب الذين يُطلق عليهم "أول من يلتحق بالتعليم العالي في عائلاتهم" هم أكثر عرضةً للتسرب. فإذا اكتشف الطلاب أنّ التخصص الذي اختاروه لا يناسبهم، فمن المرجّح أن يتركوا التعليم العالي نهائياً بدلاً من تغيير برامجهم. وتتفاقم هذه المعوقات التعليمية بسبب التحول نحو النموذج الاقتصادي المحض الذي شهده التعليم العالي الأسترالي في العقد الثاني من الألفية، والذي يُقال إنه قلل من قيمة العلوم الإنسانية والاجتماعية.
ونتيجةً لذلك، وقعت برامج العلاقات العامة ضحيةً لضغوطاتٍ متزايدة، حيث أدت تخفيضات التمويل، وتقارب التخصصات، وارتفاع الرسوم، وتراجع الدعم المؤسسي إلى تهميشها. وهذا لا يُشجع الطالب، الذي يواجه ضغوطاً ثقافية، على اتخاذ خيارٍ مقبول من المحاولة الأولى.
معاييرُ وافتراضاتٌ ثابتة
في الوقت نفسه، فشلت مبادرات التنوع والشمول والإنصاف في قطاع العلاقات العامة إلى حدٍ كبير في إحداث تغييرٍ ديموغرافيٍ ملموس. إذ تُظهر التحليلات أنّ هذه المبادرات غالباً ما تركز على لفتاتٍ رمزية، مثل الاحتفالات بأيامٍ محددة أو ورش عمل الكفاءة الثقافية، دون معالجة العوائق الهيكلية العميقة أمام الإدماج. وهكذا يصبح التنوع مجرد ميزةٍ للعلامة التجارية تُعرض للجمهور، بدلاً من أن يكون أولويةً مؤسسية تحويلية. في المقابل، تبقى المعايير والافتراضات التي يقوم عليها مجال العلاقات العامة - أي ما يُعتبر معرفة، ومن تُسمع أصواتهم، وما يُشكّل الهوية المهنية - دون تغييرٍ يُذكر.
كذلك حافظ انتشار تقنيات الاتصال على كيفية تصور هذا المجال لخبرة الاتصال، والهوية، والشرعية المهنية، والنجاح، وكان له آثاراً دائمة. وفي وسائل الإعلام الأسترالية، التي لا تزال متأثرةً بشدة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لا يزال ممارسو العلاقات العامة مقيدين بالصور النمطية لإيدينا مونسون، وسامانثا جونز، أو (يا للهول!) إميلي كوبر.
غير أننا قد نجد خارج حدودنا المشمسة بعض الإلهام لما هو ممكن.شخصياً، لطالما كنتُ متشككاً في كلّ ما يتعلق بمصطلح "BAME" (السود والآسيويون والأقليات العرقية) باعتباره إشارةً مزعومةً للتنوع و"رؤية" هذه المجموعات في المملكة المتحدة. في الواقع (لا أستطيع حتى نطقها أو كتابتها دون أن تتردد في ذهني أغنية مسلسل "Fame" الشهير من ثمانينيات القرن الماضي: "BAME! سأعيش للأبد"). ومع أنّ هذا المصطلح أصبح هامشياً بشكلٍ متزايد (بقيادة الحكومة البريطانية)، إلا أنّه ساهم في تعزيز مكانة العرق والإثنية في مجال العلاقات العامة، وساهم في بناء شبكاتٍ مهنيةٍ هادفة. لكن، للأسف، لم يشهد تمثيل الأعراق في هذا القطاع تحسناً ملحوظاً. فقد أشار تقرير معهد العلاقات العامة المعتمد (CIPR) لعام ٢٠٢٤ حول عدد العاملين في مجال العلاقات العامة إلى أنّ ٨٧% منهم من البيض. صحيحٌ أننا قد نحتفل بانخفاض النسبة إلى ٩٦% كما ورد في التقرير نفسه لعام ٢٠١٧، لكن هذه مجرد تغييراتٍ طفيفة.
هل تخشى السؤال؟
لا توجد إحصاءاتٌ رسمية لقطاع العلاقات العامة في أستراليا (ويتساءل المرء إن كانوا يخشون طرح السؤال)، ولكن مع كون ٤٨% من الأستراليين لديهم على الأقل أحد الوالدين مولوداً في الخارج، و٢٨% منهم مولودون في الخارج، فإنّ نظرةً سريعة على أيّ مؤتمرٍ وطنيٍ للعلاقات العامة في أستراليا ستُظهر لك أنّ مهنة العلاقات العامة لا تُمثل هذه الفئة تمثيلاً حقيقياً.
سيستفيد قطاع العلاقات العامة في أستراليا من إنشاء شبكات دعمٍ وتواصل للأقليات العرقية، ولكن من غير الحكمة افتراض أنّ تبني مبادراتٍ مماثلة سيؤدي، بمفردها، إلى نتائج مختلفة جوهرياً.
وفي ندوةٍ عبر الإنترنت بعنوان "حوارات في العلاقات العامة"، استضافتها الهيئة الوطنية للقطاع، وهي هيئة الاتصالات والعلاقات العامة في أستراليا، شارك أحد المتحدثين قصةً من الولايات المتحدة عن طلابٍ سود يدرسون العلاقات العامة، مستشهداً بشخصية أوليفيا بوب من مسلسل "فضيحة" التلفزيوني في العقد الأول من الألفية الثانية، كمصدر إلهامٍ لدخول هذا المجال. الهوية مهمة. وعلينا أن نحتفي بالفرص الواعدة عندما نجدها.
كذلك علينا معالجة هذا الركود. حيث يحتاج الجميع إلى تغيير مواقفهم الأولية تجاه هذه القضية. يجب أن يبدأ التحول الحقيقي داخل الأوساط الأكاديمية من خلال إعادة صياغة المناهج الدراسية، وأولويات البحث، واستراتيجيات استقطاب الطلاب، بحيث تُركز على الشمولية، وإنهاء الاستعمار، والعدالة الثقافية. كما نحتاج إلى دمج تدريس ديناميكيات الوصول، والشرعية، وإنتاج المعرفة، المرتبطة بالعنصرية. يجب إعادة تصور العلاقات العامة كمساحةٍ حيوية للمشاركة المدنية، والنقد الاجتماعي، والشمول الثقافي.
إلى جانب تخصيص أيام أو أسابيع للقضاء على التمييز، تحتاج مهنة العلاقات العامة إلى مراجعة افتراضاتها حول ماهية ممارس العلاقات العامة، واتخاذ خطواتٍ ملموسة لخلق نقاط دخول أكثر شمولية، ومساراتٍ إرشادية، وهياكل قيادية. سيستغرق هذا التغيير الهيكلي وقتاً، ولكن حان الوقت الآن على الأقل للاعتراف بضرورة التغيير. في ندوة علاقات عامة حضرتها مؤخراً، انتقل أحد المتحدثين في الندوة ببراعة من سؤالٍ حول نقص التنوع في هذا القطاع، واختار الاحتفاء بتنوّع "تجارب جميع الناس".
أين ديف عندما نحتاجه؟
المؤلّفجيفري نقفي
جيفري نقفي متخصص في مجال الاتصالات والتعليم، أمضى أكثر من عشرين عامًا في مناصب قيادية تنفيذية في قطاعات عديدة قبل انضمامه إلى قطاع التعليم العالي عام ٢٠١٧، حيث قدم استشاراته وعمل لدى العديد من الجامعات. حصل على زمالة هيئة الاتصالات والعلاقات العامة الأسترالية عام ٢٠١٥، وزمالة أولى في مؤسسة التعليم العالي المتقدمة عام ٢٠٢١.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
Follow IPRA
اخر المقالات
اخر الاخبار