إدارة السمعة: على مستوى مجلس الإدارة والاستجابة للأزمات
إدارة السمعة: على مستوى مجلس الإدارة والاستجابة للأزمات
في عالمنا اليوم، لم يعد التواصل المؤسسي مقتصراً على البيانات الرسمية أو المقابلات الإعلامية.
بقلم محمد رضا باقري Mohammad Reza Bagheri
في العصر الرقمي، حيث بلغت الشفافية وسرعة نشر المعلومات مستوياتٍ غير مسبوقة، أصبحت سمعة المؤسسة من أهم الأصول الاستراتيجية. تستكشف هذه المقالة دور مجلس الإدارة في الحفاظ على سمعة الشركات وإعادة بنائها، لا سيما في مواجهة أزمات التواصل.
ومن خلال تحليل الرأي العام، وديناميكيات وسائل الإعلام، وأهمية المساءلة الأخلاقية، تُبين المقالة كيف تؤثر قرارات مجلس الإدارة على التصور العام، سواءً في أوقات الأزمات أو في الظروف العادية. وتؤكد المقالة على ضرورة وجود خبراء في مجال التواصل ضمن القيادة الاستراتيجية، واستخدام أدوات تقييم السمعة، وترسيخ ثقافةٍ واعية بالسمعة في جميع أنحاء المؤسسة.
وفي الختام، تُقدَّم إدارة السمعة على مستوى مجلس الإدارة كمزيجٍ من القيادة التواصلية، والالتزام الأخلاقي، والجاهزية التشغيلية، بما يُعزز القدرة على الصمود ويدعم النمو طويل الأجل.
مقدّمة
في عالم اليوم سريع الإيقاع، يمكن بناء سمعة الشركة أو تشويهها في غضون ساعات. فقد وضعت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية وردود فعل الرأي العام المؤسسات تحت رقابةٍ مستمرة.
في هذا السياق، لم يعد بإمكان مجلس الإدارة حصر دوره في الإشراف المالي والتشغيلي فحسب، بل يجب أن يكون حامياً للسمعة ومهندساً للصورة المؤسسية. فالقرارات الاستراتيجية على مستوى المجلس، لا سيما في أوقات الأزمات، يمكنها أن تحدد مصير سمعة المؤسسة.
رصيدٌ استراتيجي في عالمٍ تُحرّكهُ المخاطر
لم تعد السمعة المؤسسية مجرد أصلٍ رمزي، بل أصبحت واحدةً من أهم الموارد الاستراتيجية الحيوية. فهي تؤثر على القرارات التي يتخذها العملاء، والمستثمرون، والموظفون، ووسائل الإعلام. وتعمل كدرعٍ واقٍ للمؤسسة في أوقات الأزمات.
في صميم هذه الديناميكية يقف مجلس الإدارة، بصفته أعلى هيئةٍ لاتخاذ القرار، يتحمل مسؤوليةً جسيمة في الحفاظ على السمعة وتعزيزها وإعادة بنائها. فقراراته المتعلقة بالشفافية والمساءلة وأخلاقيات المهنة والمسؤولية الاجتماعية وإدارة الأزمات تشكّل بشكلٍ مباشر التصور العام.
السمعة هي ثمرة سنواتٍ من الأداء والتفاعل وخلق القيمة والتواصل مع مختلف أصحاب المصلحة. مع ذلك، في العصر الرقمي، يمكن لخطوةٍ خاطئة واحدة أو فشلٍ في التواصل أن يُلحق بها ضرراً بالغاً. فالأزمات لم تعد تقتصر على اختراق البيانات أو عيوب المنتجات، بل يمكن أن تندلع من تغريدة، أو مقطع فيديو منتشر، أو تحقيقٍ صحفي، وفي غضون ساعات، تُقوّضُ مصداقية العلامة التجارية التي بنيت على مدى سنوات. في مثل هذه الظروف، يجب على مجلس الإدارة ألا يكون فقط على أهبة الاستعداد للتواصل، بل أيضاً على درايةٍ تامة بديناميكيات المشاعر العامة، وسلوك وسائل الإعلام، ودور شبكات التواصل الاجتماعي.
إدارة الأزمات: اختبارٌ للثقة وقيادة التواصل
من أكثر الأخطاء شيوعاً في مواقف الأزمات هو التأخر في الاستجابة أو اتباع سياسة "الصمت المؤسسي". كثيراً ما يؤدي هذا النهج إلى تفاقم الأزمة، ويُعطي انطباعاً بأن المنظمة تُخفي شيئًا ما أو تتنصّل من مسؤوليتها.
يجب على مجلس الإدارة أن يعمل بشكلٍ وثيق مع فرق العلاقات العامة والشؤون القانونية والموارد البشرية والعمليات، وذلك لصياغة رسائل متسقة وصادقة ومسؤولة. ولا ينبغي لهذه الرسائل أن تقتصر على معالجة الأزمة فحسب، بل يجب أن تعكس أيضاً قيم المؤسسة، واحترامها لأصحاب المصلحة، والتزامها باتخاذ إجراءاتٍ تصحيحية.
في كثيرٍ من الحالات، تكون كيفية استجابة المؤسسة للأزمة أكثر أهمية من الأزمة نفسها. إذ يتوقع الجمهور الصدق والتعاطف والمساءلة واتخاذ خطواتٍ ملموسة. إذا تمكّن مجلس الإدارة من تجسيد هذه العناصر في تواصله، يمكنه الحفاظ على الثقة العامة أو حتى إعادة بنائها، حتى في أصعب الظروف. على سبيل المثال، في أزمات البيئة أو حقوق المستهلكين، المؤسسات التي اعترفت بشفافيةٍ بأخطائها، وقدمت اعتذاراتٍ صادقة، ووضعت خططاً علاجيةً واضحة، تمكنت من الحفاظ على سمعتها.
على الصعيد العالمي، هناك أمثلةٌ عديدة على إدارة السمعة على مستوى مجالس الإدارة، سواءً كانت ناجحة أو فاشلة. منها فضيحة انبعاثات فولكس فاجن، التي لعب فيها رد فعل مجلس الإدارة وكبار المسؤولين التنفيذيين دوراً حاسماً في إعادة بناء الثقة العامة. وعلى النقيض، فإنّ الشركات التي اتبعت نهجاً دفاعياً أو رافضاً في مواجهة الأزمات، غالباً ما تكبدت خسائر فادحة في سمعتها وقيمتها السوقية.
هيكل التواصل على مستوى مجلس الإدارة، من الوقاية إلى التعافي
لا يقتصر دور مجلس الإدارة في إدارة السمعة على أوقات الأزمات فحسب. ففي الظروف العادية، تُشكّل قراراته الاستراتيجية المتعلقة بقيم المؤسسة، وثقافتها الداخلية، وتعيينات المديرين التنفيذيين، وسياسات المسؤولية الاجتماعية للشركات، والتعامل مع وسائل الإعلام، الصورة العامة للشركة. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي تعيين رئيسٍ تنفيذي ذي سجلٍ أخلاقي مشكوكٍ فيه، أو تبَنّي سياساتٍ تتعارض مع القيم المجتمعية، إلى أزمات سمعة، حتى وإن بدت قرارات تشغيلية بحتة.
كما يجب على مجالس الإدارة استخدام أدوات قياس وتقييم السمعة. إذ تُوفّر مؤشرات ثقة الجمهور، وتحليل آراء وسائل الإعلام، واستطلاعات رأي أصحاب المصلحة، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، صورةً واضحة عن مكانة المؤسسة في مجال السمعة. ولا تقتصر فائدة هذه المعلومات على الوقاية من الأزمات فحسب، بل تُسهم أيضاً في تخطيط التواصل الاستراتيجي واتخاذ القرارات على أعلى المستويات.
ومن العناصر الأساسية لإدارة السمعة الفعّالة وجود خبراء في مجال التواصل على مستوى مجلس الإدارة أو في الاجتماعات الاستراتيجية. فهؤلاء المحترفون، بفهمهم العميق لسلوك الجمهور، وديناميكيات وسائل الإعلام، ومبادئ التواصل في الأزمات، يُمكنهم مساعدة صانعي القرار على صياغة رسائل مؤثرة، وأخلاقية، ومتعاطفة.بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يتلقى أعضاء مجلس الإدارة تدريباً في التواصل الاستراتيجي، والإلمام الإعلامي، وإدارة الأزمات كجزءٍ من برامج تطوير القيادة.
وفي عالمنا اليوم، لم يعد التواصل المؤسسي مقتصراً على البيانات الرسمية أو المقابلات الإعلامية. فالشبكات الاجتماعية، والمنصات الرقمية، والبث المباشر عبر الفيديو، والتفاعل المباشر مع الجمهور، كلها عناصر أساسية في منظومة التواصل. وعلى مجالس الإدارة إدراك هذا الواقع، والنظر في تأثير هذه القنوات عند اتخاذ القرارات. فعلى سبيل المثال، قد يتفاقم قرارٌ استراتيجي بشأن تقليص عدد الموظفين، إذا أُعلن عنه دون خطة تواصلٍ مناسبة في الفضاء الرقمي، ليتحول سريعاً إلى أزمة سمعة واسعة النطاق.
ثقافة إدارة السمعة: مسؤوليةٌ مشتركة ودائمة
إلى جانب الإشراف الاستراتيجي والتأهب للأزمات، يجب على مجالس الإدارة تعزيز ثقافة إدارة السمعة الاستباقية في جميع أنحاء المؤسسة. وهذا يعني دمج الوعي بالسمعة في عملية صنع القرار اليومية، وتشجيع القيادة الأخلاقية على جميع المستويات، وضمان ألا يُنظر إلى التواصل على أنه رد فعلٍ فحسب، بل حوارٌ مستمر مع جميع الأطراف المعنية.
عندما تصبح السمعة مسؤوليةً مشتركة - من مجلس الإدارة إلى فرق العمل الميدانية - تصبح المؤسسات أكثر قدرةً على توقع المخاطر، والاستجابة بمرونة، وبناء ثقةٍ راسخة. لا تحمي هذه الثقافة العلامة التجارية في الأوقات العصيبة فحسب، بل تعزز قيمتها في نظر المستثمرين والشركاء والجمهور على المدى الطويل.
المؤلّفمحمد رضا باقري
محمد رضا باقري، ممثل الجمعية الإيرانية للعلاقات العامة، هو مؤسس ورئيس تنفيذي للمعهد المتخصص للعلاقات العامة الاستراتيجية. كما أنه مستشارٌ استراتيجي لمدير العلاقات العامة في جامعة مشهد للعلوم الطبية.
البريد الإلكتروني للمؤلف
زيارة الموقع الإلكتروني للمؤلف
https://www.ipra.org/news/itle/itl-654-reputation-management-at-the-board-level-and-crisis-response/
ترجمة وتدقيق صَبَا إبراهيم سعيد
تحذير واجب.
يرجى التواصل لطلب إذن الاستخدام:
info@ipra-ar.org
اخر المقالات
اخر الاخبار